info@quran4peace.org
الإسلام من القرآن | زوروا صفحتنا على الفيسبوك

الإسلام من القرآن

 

د. أيمن محمد

 

 


 

لماذا الإسلام من القرآن؟

 

 

وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِن كُلِّ مَثَلٍ وَكَانَ الْإِنسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا [الكهف-54]

 

عنوان هذا الكتاب يقول بوضوح إنه عن معرفة الإسلام من القرآن. وعنوان الكتاب واضح من البداية لأن هذا الكتاب يخاطب القاريء المهتم بمعرفة الإسلام من  القرآن. هذا الكتاب لا يخاطب من لا يهمهم معرفة الإسلام من القرآن ويظنون أنه ليس في الإمكان أحسن مما كان وأنه لا مجال للاجتهاد لتحسين فهمنا للقرآن بإستمرار.

 

قد يعتقد بعض الناس أنهم يعلمون كل شيء عن الإسلام والقرآن. و لذلك في المقدمة أحب ان أبدأ بأمثلة بسيطة تدحض هذا الاعتقاد. على سبيل المثال كلنا سمعنا عن المنظمة المسماة بـالقاعدة. ومن المعتاد أن نرى بعض الناس وخاصة بعض الذين يعتقدون أنهم يعلمون كل شيء عن الإسلام والقرآن يمجدون جماعة القاعدة ويبدون إعجابهم بها وبزعمائها مثل الظواهري وبن لادن و يعتبرونها رمزا للجهاد في سبيل الله. و أتباع القاعدة يقولون إنهم يؤمنون بالقرآن. و لذلك دعونا نبحث عن كلمة "القاعدة" في سياق الجهاد كما وردت في القرآن ، في أشكالها المختلفة، ونقرأ الآيات التي وردت فيها. الآية 95 في سورة النساء تشير إلى مجموعتين: مجموعة "المجاهدين" ، ومجموعة "القاعدين":

 

لاَّ يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فَضَّلَ اللّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلاًّ وَعَدَ اللّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا [النساء-95]

 

كما نري من الآية الكريمة فإن الجماعة "القاعدة" هي عكس الجماعة "المجاهدة". ونري مزيدا من التأكيد على هذا المعني في آيات كثيرة تتناول المنافقين من الفئة القاعدة التي تتصنع الجهاد:

 

وَلَوْ أَرَادُواْ الْخُرُوجَ لأَعَدُّواْ لَهُ عُدَّةً وَلَكِن كَرِهَ اللّهُ انبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُواْ مَعَ الْقَاعِدِينَ [التوبة-46]

 

فَإِن رَّجَعَكَ اللّهُ إِلَى طَآئِفَةٍ مِّنْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُل لَّن تَخْرُجُواْ مَعِيَ أَبَدًا وَلَن تُقَاتِلُواْ مَعِيَ عَدُوًّا إِنَّكُمْ رَضِيتُم بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَاقْعُدُواْ مَعَ الْخَالِفِينَ [التوبة-83]

 

الفئة القاعدة هي هؤلاء المنافقين الذين يتصنعون أنهم يجاهدون، بينما هم في الواقع "قاعدون" عن الجهاد. إذا المنظمة التي تدعي أنها المجاهدة، هي في الواقع اعترفت على نفسها أنها المنافقة "القاعدة" باختيارها هذا الإسم و كشفت جهلها بمعنى هذا المصطلح في سياق الجهاد في القرآن الكريم.

 

وَإِذَآ أُنزِلَتْ سُورَةٌ أَنْ آمِنُواْ بِاللّهِ وَجَاهِدُواْ مَعَ رَسُولِهِ اسْتَأْذَنَكَ أُوْلُواْ الطَّوْلِ مِنْهُمْ وَقَالُواْ ذَرْنَا نَكُن مَّعَ الْقَاعِدِينَ [التوبة-86]

 

وَجَاء الْمُعَذِّرُونَ مِنَ الأَعْرَابِ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ وَقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُواْ اللّهَ وَرَسُولَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [التوبة-90]

 

كما نرى فإن هذا الإسم لا يصف فقط الجماعة المنافقة القاعدة لكن أيضا التي كذبت الله ورسوله! أنا أكاد أجزم أن الذين أطلقوا إسم القاعدة على الجماعة وأتباعهم لا يفهمون القرآن ولا اللسان العربي، ومصابون بنفس مرض القاعدين المنافقين من قوم موسى:

 

قَالُواْ يَا مُوسَى إِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا أَبَدًا مَّا دَامُواْ فِيهَا فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ [المائدة-24]

 

من خلال هذا المثال البسيط نجد أن القعود في سياق الجهاد أمر مذموم وأن الجماعة القاعدة هي عكس الجماعة المجاهدة. إذا كيف يدعي هؤلاء أنهم الجماعة المجاهدة و هم اختاروا لأنفسهم إسم القاعدة؟؟ و للأسف ملايين من الناس بمن فيهم من يدعون أنهم علماء السنة أو الشيعة  لا يعلمون هذه الحقيقة. لهذه الدرجة وصل الجهل بـكتاب الله و أبسط معاني اللسان العربي!

 

و جذور منظمة القاعدة تنتمي إلى ظاهرة جديدة انتشرت في السنوات الأخيرة يطلق عليها الحركة السلفية، وأتباعها يسمون أنفسهم السلفيين. و لعل الكثير من العقلاء يستعجبون كيف أن السلفيين يدعون أنهم ليسوا أهل بدعة على الرغم من أن مصطلح "السلفيين" نفسه لم يرد في القرآن أو حتى في كتب الحديث كلها أبدا و لكنه مصطلح عصري. و هناك مصطلحات أخرى مستمدة من نفس الجذر في القرآن و لكن هذه المصطلحات تعطي انطباعا لا يتفق مع ما يهدف إليه مبتدع إسم السلفيين. على وجه التحديد هذا ما نجده عندما نبحث عن كلمة "سلف" في القرآن:

 

الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لاَ يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَن جَاءهُ مَوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّهِ فَانتَهَىَ فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [البقرة-275]

 

وَلا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلا مَا قَدْ سَلَفَ [النساء-22]

 

وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ إِلا مَا قَدْ سَلَفَ [النساء-23]

 

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقْتُلُواْ الصَّيْدَ وَأَنتُمْ حُرُمٌ وَمَن قَتَلَهُ مِنكُم مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاء مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَو عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا لِّيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ عَفَا اللّهُ عَمَّا سَلَف وَمَنْ عَادَ فَيَنتَقِمُ اللّهُ مِنْهُ وَاللّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ [المائدة-95]

 

قُل لِلَّذِينَ كَفَرُواْ إِن يَنتَهُواْ يُغَفَرْ لَهُم مَّا قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُواْ فَقَدْ مَضَتْ سُنَّةُ الأَوَّلِينِ [الأنفال-38]

 

كما نرى بكل وضوح فإن مصطلح "سلف" في القرآن دائما يشير إلى أمر قبيح و مذموم مضى. و تحديدا نرى الآيات البينات دائما تربط السلف بـعادات قبيحة ومذمومة ومحرمة مثل الربا ونكاح ما نكح الأب من نساء والجمع بين الأختين وانتهاك حرمات الله وما فعله الذين كفروا من كفر. هل هي مجرد مصادفة أن جميع الآيات التي ذكر فيها مصطلح "سلف" في القرآن بلا استثناء أجمعت على ربط هذا المصطلح بأمر قبيح ومذموم مضى؟

 

بالإضافة إلى ذلك فإن الله سبحانه وتعالى يصف قوم فرعون الفاسقين بالسلف: 

 

وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ

أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِّنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ

فَلَوْلَا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِّن ذَهَبٍ أَوْ جَاء مَعَهُ الْمَلَائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ

فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ

فَلَمَّا آسَفُونَا انتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ

فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفًا وَمَثَلًا لِلْآخِرِينَ [الزخف-51-56]

 

وبمراجعة قاموس مقياس اللغة أو أي قاموس لغة عربية فصحى نجد أن كلمة سلف تدل على الشيء الذي مضى. وهذا ليس فيه اختلاف من الناحية اللغوية والمنطقية. وحتى علماء أهل السنة كانوا يعلمون ذلك. ولذلك عندما تحدثوا عن سلف محدد أسموه "السلف الصالح". لماذا أسموه سلف صالح؟ لأنهم يعلمون أن هناك سلف فاسد وهو الذي ذكره القرآن في كل استخدامه لكلمة "سلف" ولذلك لزم التصنيف. أما مصطلح "السلفيين" بالتحديد فهو بدعة لا وجود لها في القرآن ولا في كتب الحديث كلها سواء عند السنة أو الشيعة.

 

السؤال الذي يطرح نفسه هو من الذي ابتدع مصطلح السلفيين؟ في الواقع الذي ابتدع هذا المصطلح هم الوهابيون. والوهابية في الأصل هي حركة سياسية حديثة مناهضة للخلافة العثمانية قامت على يد محمد بن عبد الوهاب  ومحمد بن سعود. وشنت الوهابية سلسلة من الحروب التي قتلوا فيها العديد من المسلمين، الأمر الذي جعل العديد من شيوخ السنة يرى في محمد بن عبد الوهاب ومريديه مواصلة لطريقة الخوارج، بينما يرى الوهابية أنهم هم أهل السنة الحقيقيون وهم الفرقة الوحيدة الناجية من النار ومن خالفهم كافر. ونتج عن هذه الحروب قيام الدولة السعودية الأولى. وفي عام 1818 دمرت القوات المصرية بقيادة إبراهيم باشا الدولة السعودية الأولى.

 

كل ما في الأمر هو أن الوهابيين إسمهم لم يكن مقبولا من الناس خارج السعودية لأنه يفضح حقيقتهم  كمنظمة سياسية حديثة قامت على سفك الدماء  تنتمي إلى محمد بن عبد الوهاب. و لذلك غيروا إسمهم إلى "السلفيين" كحيلة تسويقية لكي يجذبوا الناس بطريقة أفضل خاصة خارج السعودية.

 

هذا المثال يبين جانبا من البدع الدخيلة على الإسلام وكيف  أن القرآن بكل بساطة يكشف لنا حقيقة تلك البدع و يفضح مبتدعيها وأتباعهم. والغرض من المثال هو التوضيح بأنه من خلال الواقع الملموس العملي يمكن أن نستخلص أن أغلب الناس يجهلون الإسلام من القرآن. وهذا الجهل و ابتداع الباطل يحدث أمام أعيننا حتى في زمننا الذي هو زمن المعلومات حيث يسهل التحقق من صحة أو بطلان أي معلومة. و لذلك لا يجب علينا أن نتعجب من أن الغالبية العظمى من  الناس لا يعرفون عن الإسلام من القرآن ولذلك لزم  تقديم هذا الموضوع من خلال هذا الكتاب المبسط.


 

ما هو الإسلام من القرآن؟

 

ما هو تعريف الله سبحانه وتعالى للمسلمين في القرآن؟

 

وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمينَ مِن قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ [الحج-78]

 

من الناحية اللغوية أسماء العلم لا تترجم. ولذلك وردت أسماء أعجمية كثيرة في القرآن مثل إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب وداود ويوسف وموسى وهارون دون أن تترجم إلى العربية. و نجد أن الإسم يتشابه في اللغة العبرية واليونانية واللاتينية والعربية مع بعض الاختلاف في النطق. مثلا في الآية السابقة إسم العلم الأعجمي إبراهيم لم يترجم من اللغة الأعجمية القديمة التي كان يتكلم بها قوم إبراهيم إلى اللغة العربية.

 

لغويا ومنطقيا أسماء العلم لا تترجم لأنها مجرد علامة ملصقة على ما تسميه ولا تدل على حقيقته. مثلا ممكن شخص إسمه أمين يكون حرامي. وممكن رجل إسمه مسلم يكون غير مسلم. وممكن شخص إسمه جمال يكون قبيح.  لذلك وجب التفريق بين أسماء العلم من ناحية والأسماء الحقيقية التي تربط المعنى بحقيقة ما تسميه من ناحية أخرى.  لذلك نجد أسماء علم مثل حسني مبارك أو جورج بوش لا تترجم ولا تدل على حقيقة المسمى بهذه الأسماء. هي مجرد أسماء أسماهم بها أباؤهم ولا علاقة لها بحقيقة هؤلاء الأشخاص.

 

من ناحية أخرى نجد أن لفظ المسلمين ترجمه الله من لغة قوم إبراهيم إلى العربية لغة قوم الرسول. إذا لفظ المسلمين ليس مجرد إسم علم ولكنه وصف حقيقي لطبيعة هذه الجماعة من الناس. كلمة إسلام هي مصدر على وزن إفعال مثل إصلاح أو إنجاح وهي تدل على إفعال إسم المصدر الذي على وزن "فَعال". و لذلك الإصلاح إفعال الصلاح والإنجاح إفعال النجاح والإسلام إفعال السَلام. كلمة المُسلِمين على وزن "مُفعِلين" وهم المُفعِلين للسلام مثل أن المُصلِحين هم المُفعِلين للصلاح والمُنجِحين هم المُفعِلين للنجاح والمُفسِدين هم المُفعِلين للفساد.

 

فَعَلَ

فَعال

مُفْعِل

أَفْعَل

إفْعال

فَسَدَ

فَساد

مُفْسِد

أفْسَد

إفْساد

صَلَحَ

صَلاح

مُصْلِح

أَصْلَح

إصْلاح

سَلَمَ

سَلام

مُسْلِم

أَسْلَم

إسْلام

 

"إسلام" على وزن "إفعال" تعني إفعال السلام. وكل الناس بالفطرة تعلم معنى إفعال السلام والهدف منه.

 

الدين عند الله الإسلام، معناه أن الفرض الذي ندين به لله هو إفعال السلام. وبـإفعال السلام نصون الأمانة التي اختصنا الله بها وهي خلافة الأرض - أي قيادة الأرض:

 

وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ [البقرة-30]

 

والجميع بالفطرة يعلم أن إفعال السلام هو عكس إرتكاب جريمة الإفساد في الأرض وسفك الدماء.

 

وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاء كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلاَئِكَةِ فَقَالَ أَنبِئُونِي بِأَسْمَاء هَؤُلاء إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ

قَالُواْ سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ

قَالَ يَا آدَمُ أَنبِئْهُم بِأَسْمَآئِهِمْ فَلَمَّا أَنبَأَهُمْ بِأَسْمَآئِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ [البقرة-31-33]

 

الله سبحانه وتعالى علمنا الأسماء الحقيقية ولذلك نعرفها جميعا بالفطرة وذلك هو الذي يعيننا في مهمتنا و حمل الأمانة. على سبيل المثال جميع البشر على اختلاف نشأتهم ومجتمعهم يعرفون مفهوم السلام ويعلمون بالفطرة أنه شيء جيد وأن إفعال السلام (أي الإسلام) فعل حسن. و هو إسم حق أي مفهوم إنساني علمه الله لكل الناس ويظهر فطريا في كل الحضارات حتى التي لم يكن عندها اتصال ببعض. والإسلام ليس فكرة جديدة ولكنه مفهوم معروف عند أهل الكتاب وذكر كثيرا في كتبهم. على سبيل المثال:

 

وَالْبِرُّ هُوَ ثَمَرَ ةُ مَا يَزْرَعُهُ فِي سَلاَمٍ الْمُسْلِمون. ]ﻳﻌﻘﻮﺏ 3:18]

 

بهذا المفهوم تعالوا نتدبر مرة أخرى الآية 78 من الحج:

 

وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمينَ مِن قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ [الحج-78]

 

الآية الكريمة تتحدث عن سببين لتسميتنا بالمسلمين: أولا ليكون الرسول شهيدا علينا وثانيا لكي نكون شهداء على الناس. وبطبيعة الحال الشاهد وظيفته وواجبه الأساسي هو أن يشهد الحق في حالة حدوث خلاف. إذا السؤال الذي يطرح نفسه هو ما هي القضية التي فيها اختلاف؟

 

القضية موضع الخلاف مذكورة في أول الآية الكريمة. حين يقول الله "جاهدوا في الله حق جهاده" فهذا يعني بالضرورة أن هناك جهاد حق و جهاد باطل. إذا القضية هي الخلاف بين الجهاد الحق والجهاد الباطل. و بالتالي الله سبحانه وتعالى سمانا المسلمين في رسالته التي يبـلغها رسوله لكي يحسم تلك القضية. حيث أن الرسول من خلال الرسالة يشهد أن إسمنا المسلمين وبذلك سوف يكون شهيدا علينا ونكون شهداء على الناس فيما يتعلق بالجهاد الحقيقي في مقابل الجهاد الباطل. بالتالي لا يمكن أن نفسد في الأرض ونسفك الدماء وندعي أننا نفعل ذلك للجهاد في سبيل الله. في هذه الحالة إسمنا كمُسلِمين يعني مُفعِلين للسلام يدحض أي تبرير للفساد في الأرض وسفك الدماء بحجة الجهاد في سبيل الله. وفهمنا الصحيح لمعنى إسم المسلمين يجعلنا أيضا شهداء على كل من يفسد في الأرض ويسفك الدماء بحجة الجهاد في سبيل الله.

 

منذ بدء التاريخ وحتى يومنا هذا كثير من الدماء تستحل وتسفك والجرائم ترتكب والحروب تشتعل بحجة الجهاد في سبيل الله. كل هذا يتنافى مع الهدف الأساسي الذي جعلنا الله من أجله خلفاء في الأرض. واسمنا كمُسلِمين أو مُفعِلين للسلام هو البوصلة التي نستطيع أن نقرأها بما علمنا الله من الأسماء الفطرية وترشدنا إلى الجهاد في الله حق جهاده.

 

الجهاد الحق ¬ إفْعال السلام ¬ الإسْلام

 

 

إفعال السلام أي الإسلام ليس مجرد إسم علم ندونه على البطاقة ولكن هو مهمة يجب علينا تنفيذها لكي نؤدي أمانة الخلافة في الأرض.

 

فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ [الروم-30]

 

والمجرم الذي يفسد في الأرض بـعمله وقوله الذي لا ينشر السلام بين الناس هو عكس المُسلِم المُفعِل للسلام:

 

أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ [القلم-35]

 

الإسلام ليس مجرد إسم علم يدون في شهادة الميلاد أو البطاقة. وهو ليس كما يظن البعض مجرد طقوس يقوم بها الناس بينما في نفس الوقت يحلون الإفساد في الأرض وسفك الدماء بإسم الدين. الإسلام هو إفعال السلام وبالتالي كل مُفعِل للسلام هو مُسلِم. ومن جهة مقابلة من لا ينشر السلام في الأرض أو يفسد فيها ويسفك الدماء أو يشجع هذه الجرائم أو يسكت عنها فهو ليس بمُسلِم.


 

كيفية الصلاة من القرآن

 

كما قدمنا في الجزء السابق الإسلام ليس مجرد إسم علم يدون في شهادة الميلاد أو البطاقة. وهو ليس كما يظن البعض مجرد طقوس يقوم بها الناس بينما في نفس الوقت يحلون الإفساد في الأرض وسفك الدماء بإسم الدين. الإسلام هو إفعال السلام وبالتالي كل مُفعِل للسلام هو مُسلِم. من ناحية أخرى الشيطان يعتمد في تضليلنا على أسماء العلم الباطلة التي اختلقناها:

 

قَالَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ أَتُجَادِلُونَنِي فِي أَسْمَاء سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَآؤكُم مَّا نَزَّلَ اللّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ فَانتَظِرُواْ إِنِّي مَعَكُم مِّنَ الْمُنتَظِرِينَ [الأعراف-71]

 

مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ أَسْمَاء سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَآؤُكُم مَّا أَنزَلَ اللّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ [يوسف-40]

 

إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاء سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَاؤُكُم مَّا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنفُسُ وَلَقَدْ جَاءهُم مِّن رَّبِّهِمُ الْهُدَى [النجم-23]

 

و للأسف لقد نجح الشيطان في تحويل إسم المسلمين الحق الذي نعرفه بالفطرة إلى إسم علم فارغ من المعنى. حين نسمى أنفسنا "مسلمين" في البطاقة وشهادة الميلاد فذلك مجرد إسم علم باطل سميناه نحن واباؤنا ولا يعني اننا حقا مسلمين أي مفعلين للسلام.

 

ونتيجة نجاح الشيطان في تحويل إسم المسلمين إلى إسم علم فارغ فلقد خلط الأمور على أغلب الناس وجعلهم لا يستطيعون التمييز بين أبسط المعاني.على سبيل المثال أغلب الناس لا يستطيعون التمييز بين السلام و التسليم.

 

الغالبية العظمى من الناس حين يذكر النبي يقولون "صلى الله عليه و سلم" ظنا منهم أن ذلك امتثال لأمر الله سبحانه وتعالى الذي يقول بكل وضوح:

 

إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [الأحزاب-56]

 

أولا "سَلِّمُوا تَسْلِيمًا" لا تعني تحية سلاما ولكن تعني الرضوخ رضوخا كاملا. و لذلك الله سبحانه و تعالى يقول أيضًا بكل وضوح:

 

فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا [النساء-65]

 

وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا  [الأحزاب-22]

 

و لذلك الله سبحانه و تعالى دقيق في كلامه ولا يقول "إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ و يسَلِّمُون تَسْلِيمًا يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا" لأن الله سبحانه و تعالى لا يرضخ لأحد مهما كان.

 

ولذلك وبناء على الآية الكريمة "إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا" بمعنى "و ارضخوا رضوخا"  فإن مقولة "صلى الله عليه وسلم" تكون بمعنى "صلى الله عليه ورضخ" (سبحانه وتعالى علوا كبيرا). وكما يستطيع أن يرى أي عاقل يخشى الله وعنده تقوى ولا يخاف لومة لائم فإن على مقياس الآية الكريمة بالتأكيد قول "صلى الله عليه وسلم" فيه إهانة مباشرة واعتداء على الله سبحانه وتعالى. وهذا مثال واضح يبين أن الأغلبية بما فيهم من يسمون أنفسهم علماء وصل بهم الجهل بأبسط الأمور في القرآن واللغة العربية إلى حد الخلط بين السلام والتسليم مما أدى إلى قولهم على الله ما لا يليق به بجهالة. وهذا يؤكد مرة أخرى ما قلناه في المقدمة عن أن أغلب الناس لا يعلمون عن الإسلام من القرآن.

 

ثانيا الذين آمنوا مأمورون أن يفعلوا نفس الشيء وليس مجرد ترديد كلام. الآية الكريمة لا تقول "قولوا صلى الله عليه" و لكن تقول "صلوا عليه". و ذلك يقودنا إلى سؤال كيفية الصلاة من القرآن.

 

الإجابة المنطقية على سؤال عن كيفية أداء أي عمل يجب أن تأخذ في الإعتبار الهدف من هذا العمل والنتيجة المتوقعة منه. كذلك الحال بالنسبة للصلاة. ولذلك أي بحث عن الصلاة من القرآن يجب أن يبدأ بالأسئلة التالية:

 

١- ما هو الهدف من الصلاة؟

٢- ما هي النتيجة المتوقعة حين نصل إلى هذا الهدف؟

 

و بناءً على ذلك نستطيع أن نقيس علمياً كل ما يقال عن الصلاة. مثلاً إذا كانت طريقة معينة لا تؤدي إلى الهدف ولا نصل بها إلى النتيجة المتوقعة إذاً فهذه الطريقة غير مجدية وليست طريقة الصلاة الحقيقية.

 

١- الهدف كما يقول الله بكل وضوح هو:

 

إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي [طه-14]

 

٢- أما نتيجة الصلاة المتوقعة حين نذكر الله فهو أيضاً يذكرنا:

 

فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُواْ لِي وَلاَ تَكْفُرُونِ [البقرة-152]

 

ولذلك كما يصلي المؤمنون هو أيضاً يصلي عليهم:

 

هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا [الأحزاب-43]

 

والنتيجة تكون الخروج من ظلمات الجهل والباطل والكفر إلى نور العلم والحق والإيمان.

 

والصلاة توصل إلى السجود:

 

وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاَةَ فَلْتَقُمْ طَآئِفَةٌ مِّنْهُم مَّعَكَ وَلْيَأْخُذُواْ أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُواْ فَلْيَكُونُواْ مِن وَرَآئِكُمْ وَلْتَأْتِ طَآئِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّواْ فَلْيُصَلُّواْ مَعَكَ [النساء-102]

 

والسجود الحقيقي لا يكون فقط شكلياً وسطحياً ولكن هو في الأساس طاعة الله سبحانه وتعالى. ومن يضع ناصيته على الأرض ولكن لا يطيع الله فسجوده ليس حقيقياً. ولذلك فالصلاة الحقيقية تنهى عن الفحشاء والمنكر:

 

اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ  [العنكبوت-54]

 

إذاً السؤال هو هل صلاتك تؤدي إلى خروجك من الظلمات إلى النور وتنهاك عن الفحشاء والمنكر وبالتالي تطيع الله؟ هذا هو المعيار الأساسي.

 

تعال نطبق هذا المعيار على ما يفعله الأغلبية الآن. من الواقع العملي يمكن أن نرى أنه بالنسبة لأغلب الناس أصبح التركيز ليس على ذكر الله ولكن على جمع النقاط. وبسبب التركيز على جمع النقاط أصبحت الصلاة مبنية على التكرار الميكانيكي بدون تفكير وجرت العادة على قراءة أقصر سورة ممكنة علشان الواحد يخلص. ولذلك لا يستغرب أحد حين تجد أغلب الناس يذهبون للصلاة ثم متى ما انتهت وخرجوا من الجامع يعودون إلى فعل المنكر. بل في أكثر من مرة رأيت بعيني خناقات وسمعت سبابا داخل الجامع.

 

كما ذكرت فالأغلبية تتفق على أن الهدف من الصلاة هو جمع النقاط، بل وتدعي أن عدد نقاط "صلاة الجماعة" مثلا تفوق ٢٧ نقطة عدد نقاط "الصلاة العادية" وأشياء أخرى كثيرة تلهي عن الهدف الحقيقي وبالتالي تلهي عن الصلاة الحقيقية. فهنا نرى من الواقع العملي أن تواتر الأغلبية على شيء لا يعني أنه صحيح. مثلاً زمان كان هناك تواتر أن الأرض مسطحة و ليست كروية. وفكرة التواتر هي مغالطة منطقية معروفة والله سبحانه وتعالى يحذرنا مراراً من مغبة الانسياق وراء تواتر الأغلبية:

 

وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللّهِ إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ  [الأنعام-116]

 

وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلاَّ ظَنًّا إَنَّ الظَّنَّ لاَ يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا إِنَّ اللّهَ عَلَيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ  [يونس-36]

 

وحتى أغلب المؤمنين بالله متواترون على الشرك:

 

وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللّهِ إِلاَّ وَهُم مُّشْرِكُونَ  [يوسف-106]

 

و لذلك فمن المستغرب أن تجد هناك من يستنجد بقشة التواتر أو وهم الإجماع ثم يدعي بعد ذلك العقل والمنطق والمعرفة بالقرآن. هذا الاستنجاد اليائس إنما يدل على فقدان الأمل من فهم الصلاة من القرآن المبين:

 

أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا [محمد-24]

 

والأغلبية عندهم تناقض وتخبط واضح بالنسبة لفهمهم للصلاة. مثلاً من ناحية يدعون أن الصلاة تعني أداء طقوس معينة خمس مرات في اليوم، ومن ناحية أخرى يدعون أنها تكرار "اللهم صلي عليه" كلما ذكر إسم النبي إستناداً إلى الآية التالية:

 

إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا  [الأحزاب-56]

 

كما رأينا من الواضح من الآية الكريمة أن الذين آمنوا مأمورون بفعل نفس الشيء الذي يفعله الله وملائكته تمامًا. فهل الله وملائكته يكررون "اللهم صلي عليه" كلما ذكر إسم النبي أو هل الله وملائكته يؤدون طقوسا معينة خمس مرات في اليوم على النبي؟! بالطبع لا! و يؤكد ذلك أن الرسول أيضاً مأمور بالصلاة على المؤمنين:

 

خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاَتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ  [التوبة-103]

 

هل النبي كان يكرر "اللهم صلي على فلان "كلما ذكر إسم فلان؟! بالطبع لا!

 

في الواقع إن الله وملائكته يصلون على جميع المؤمنين كما يصلون على النبي كما نرى من الآية التالية. هل الله وملائكته يكررون "اللهم صلي عليه" كلما ذكر إسم أحد المؤمنين أو يفعلون طقوس معينة خمس مرات في اليوم على كل مؤمن؟

 

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا * وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا

هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا  [الأحزاب-43]

 

فكما نرى بوضوح من الآيات البينات أن نتيجة الصلاة أو أثرها هو إخراج المؤمنين من الظلمات إلى النور. نفس هذا الأثر حرفياً نراه في سورة الطلاق:

 

أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُوْلِي الْأَلْبَابِ الَّذِينَ آمَنُوا قَدْ أَنزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْرًا

رَّسُولًا يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِ اللَّهِ مُبَيِّنَاتٍ لِّيُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقًا  [الطلاق-10-11]

 

كما نرى فإن الصلاة لها نفس أثر تلاوة ايات الله. ومن هنا يوضح الله لنا أن تلاوة ايات الله هي مرادفاً لمفهوم الصلاة. ولذلك نفهم من الآية أدناه أن إضاعة الصلاة تقابلها تلاوة ايات الرحمن كما يبين لنا الله:

 

أُوْلَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ مِن ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِن ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَن خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا

فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصّلوة وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا  [مريم-59]

 

لاحظ أن تلاوة ايات الرحمن نتيجتها السجود أي طاعة الله مثل الصلاة تماماً كما رأينا لاحقاً. إذاً منطقياً عدم إضاعه الصلاة الحقيقية هي تلاوة ايات الله.

 

و هنا نجد أن قراءة القرآن متصلة مباشرةً بهدف الصلاة .فالقرآن نفسه يوصف بالذكر وهو كما رأينا الهدف الحقيقي للصلاة بل و يكاد القرآن أن يكون مرادفاً لكلمة الصلاة فمثلاً نجد الله يستخدم لفظ قرآن الفجر في التحدث عن صلاة الفجر:

 

أَقِمِ الصَّلاَةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا [الإسراء-78]

 

إضافة إلى ذلك نجد أن تلاوة القرآن والصلاه كلاهما يختم بالسجود:

 

وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاَةَ فَلْتَقُمْ طَآئِفَةٌ مِّنْهُم مَّعَكَ وَلْيَأْخُذُواْ أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُواْ فَلْيَكُونُواْ مِن وَرَآئِكُمْ وَلْتَأْتِ طَآئِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّواْ فَلْيُصَلُّواْ مَعَكَ [النساء-102]

 

قُلْ آمِنُواْ بِهِ أَوْ لاَ تُؤْمِنُواْ إِنَّ الَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ مِن قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ سُجَّدًا [الإسراء-107]

 

و بطبيعة الحال فإن القرآن ينهى عن الفحشاء والمنكر بالضبط مثل الصلاة.

 

و لذلك حين نتحدث عن كيفية الصلاة فنحن في الواقع نتحدث عن كيفية تلاوة آيات الله. إذاً فهذه هي كيفية الصلاة بكل وضوح و تفصيل:

 

١-يجب أن نتلو آيات الله بصوت معتدل لاهو مرتفع ولا هو خافت:

 

وَلاَ تَجْهَرْ بِصَلاَتِكَ وَلاَ تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً  [الإسراء-110]

 

٢- يجب أن ننتبه و نستمع جيداً حين نصلي:

 

وَإِذَا قُرِىءَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُواْ لَهُ وَأَنصِتُواْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ  [الأعراف-204]

 

وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِّنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِم مُّنذِرِينَ [الأحقاف-29]

 

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِي لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ

فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ  [الجمعة-9-10]

 

فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ [الماعون-4-5]

 

٣- اوقات الصلاة

 

كما رأينا فالصلاة الحقيقية أساسها تلاوة القرآن . و لذلك فإن من المنطقي ان تكون اوقات الصلاة هي الاوقات المثلى لتلاوة القرآن. و بالفطرة نحن جميعا نعلم ان أفضل الاوقات لتلاوة آيات الله هي حين نبدأ يومنا وحين ننهيه. وهذا ما يؤكده القرآن حين ذكر صلاتين بالإسم وهما صلاة الفجر وصلاة العشاء.

 

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنكُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ مِن قَبْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُم مِّنَ الظَّهِيرَةِ وَمِن بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاء ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَّكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ طَوَّافُونَ عَلَيْكُم بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ  [النور-58]

 

والواضح من الآية الكريمة أن صلاة الفجر وصلاة العشاء يقيمهما الشخص في بيته مع أفراد أسرته و لا توجد صلاة وقت الظهر. والآية التالية تؤكد التوقيتين المثاليين للصلاة:

 

أَقِمِ الصَّلاَةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا [الإسراء-78]

 

الآية تقول بكل وضوح أن دلوك الشمس إلى غسق الليل أول وقت والفجر هو الوقت الثاني. و دلوك الشمس يعني حين تدلك من الأفق وقت الغروب و "إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ" تعني إلى ظلام الليل التام. اذًا وقت العشاء هو من الغروب إلى الظلام التام . ووقتا الصلاة تؤكدهما أيضا الآية التالية:

 

وَأَقِمِ الصَّلاَةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِّنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّـيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ  [هود-114]

 

هنا الآية تشير بوضوح إلى طَرَفَيِ النَّهَارِ وهما الفجر والغروب وزلفة من الليل وهو الجزء القريب من الليل بين الغروب وظلام الليل التام. اذًا بمعنى آخر تشير الآية إلى "الفجر" و "دلوك الشمس إلى غسق الليل". بهذا الفهم الصحيح نجد بكل وضوح أن الآيتين تتفقان تماما.

 

حَافِظُواْ عَلَى الصَّلَوَاتِ والصَّلاَةِ الْوُسْطَى وَقُومُواْ لِلّهِ قَانِتِينَ [البقرة-238]

 

ماذا عن الصلاة الوسطى؟ في الواقع أن كلمة الوسطى في القرآن لا تعني وجود صلاة ثالثة في الوسط. إذا فحصنا كل الآيات التي تتحدث عن شيء وسط سنجد أنها تشير إلى الشيء الأفضل أو الشيء الرزين.

 

لاَ يُؤَاخِذُكُمُ اللّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَـكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ الأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ  [المائدة-89]

 

هنا الآية تشير إلى أفضل ما نطعم أهلنا وليس بقايا الطعام.

 

قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ لَوْلَا تُسَبِّحُونَ [القلم-28]

 

هنا أيضًا أوسطهم هو أفضلهم و أكثرهم رزانة و حكمة.

 

وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلاَّ عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللّهُ وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ  [البقرة-143]

 

هنا نرى أن أمة وسطا تعني أمة أكثر خيراً ورزانة. وهذا يتفق تماما مع الآية التالية:

 

كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُم مِّنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ [آل عمران-110]

 

إذًا فالصلاة الوسطى هي صفة خير وأفضل صلاة وليست وقت ثالث للصلاة.

 

٤- صلاة الجمعة

 

كما رأينا فأوقات الصلاة الأساسية هي أفضل أوقات للتذكر حين نبدأ يومنا بعقل متفتح وحين ننهي يومنا بعد عناء العمل والسعي في سبيل الله. بالإضافة إلى تلك الاوقات الأساسية فبطبيعة الحال حين يجتمع الناس هذه فرصة طيبة لتذكير أكبر عدد منهم. و الصلاة وقت اجتماع الناس تسمي صلاة الجمعة. وبعكس ما يظنه أغلب الناس لم يكن يوم الجمعة اسم يوم من أيام الاسبوع عند العرب و لكنه صفة تعني اليوم أو الوقت الذي يجتمع فيه الناس.

 

فيوم الجمعة ليس يوم محدد في الاسبوع و لكنه أي وقت يكون الناس فيه مجتمعين مثل يوم السوق أو للتجهيز للحرب أو في جنازة أو حتى ماتش كورة في الإستاد مثلا. في مثل هذه المواقف يجب ان نبدأ بالصلاة لتذكير الناس. فالصلاة هي مثل السلام الوطني للمؤمنين.

 

هذا هو معنى يوم الجمعة. أما ما ورد من معتقدات بخصوص أي يوم من أيام الأسبوع مثلًا أن يوم الجمعة خلق فيه‏ ‏آدم وفيه تقوم الساعة إلى آخره من البدع التي تعج بها الروايات فهي مجرد سفاهات ناتجة عن جهل بأن الأسبوع لم يكن دائماً سبعة أيام في الماضي و لكن مثلًا أيام القدماء المصريين كان عشرة أيام. وكانت وحدة تقسيم الايام تحدد بعدد الايام بين يوم السوق ويوم السوق الذي يليه. و لذلك كان الأسبوع يتراوح في العادة ما بين أربعة أيام وبين عشرين يوما وهذا يعطي فرصة للزراع و الصناع لتجديد مخزون سلعهم.

 

وتقسيم الأسبوع إلى وحدة مكونة من سبعة أيام بدأ باليهود لأنهم يعتقدون أن الله استراح في اليوم السابع وأيضًا بالرومان الوثنيين الذين كانوا يقدسون خمسة كواكب والشمس والقمر ولذلك سموا الأيام بها.

 

و لذلك متى يقع اليوم المسمى حاليا بالجمعة يتوقف على متى تم عشوائيا تبني الإسبوع ذي السبعة أيام و بأي يوم عشوائي بدأ و ترتيب ايامه الذي هو أيضًا عشوائي. اذاً فتوقيت اليوم المسمى حاليا بالجمعة هو بدعة عشوائية مائة بالمائة من صنع الإنسان والله سبحانه وتعالى بريء منها.

 

بإختصار الصلاة هي في الأساس تلاوة آيات الله و تدبرها. وحين نفعل ذلك تعم علينا فوائد الصلاة من ذكر الله والخروج من الظلمات إلى النور والنهي عن الفحشاء والمنكر وبالتالي طاعة الله سبحانه وتعالى والسجود الحقيقي له.

 

إِنَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِّلْمُؤْمِنِينَ

وَفِي خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ مِن دَابَّةٍ آيَاتٌ لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ

وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاء مِن رِّزْقٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ آيَاتٌ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ

تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ [الجاثية-3-6]

 

و بالفطرة نحن جميعاً نعلم علم اليقين أن من يريد أن يتذكر فعليه أن يذاكر. والقراءة هي أساس المذاكرة. من هذا المنطلق نستطيع أن نرى بوضوح أن سورة العلق حين تضع قراءة القرآن في مقابل النهي عن الصلاة هي في الواقع تضع الصلاة في مقابل النهي عنها:

 

بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ

عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ * كَلَّا إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَى * أَن رَّآهُ اسْتَغْنَى * إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى

أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى * عَبْدًا إِذَا صَلَّى * أَرَأَيْتَ إِن كَانَ عَلَى الْهُدَى * أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى

أَرَأَيْتَ إِن كَذَّبَ وَتَوَلَّى* أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى * كَلَّا لَئِن لَّمْ يَنتَهِ لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ

نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ * فَلْيَدْعُ نَادِيَه * سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ * كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ


 

المسجد في القرآن

 

كما رأينا السجود الحقيقي لا يكون شكلياً وسطحياً ولكن هو في الأساس طاعة الله سبحانه وتعالى. ومن يضع ناصيته على الأرض و لكن لا يطيع الله فسجوده ليس حقيقياً.

 

قُلْ آمِنُواْ بِهِ أَوْ لاَ تُؤْمِنُواْ إِنَّ الَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ مِن قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ سُجَّدًا [الإسراء-107]

 

هل هذه طريقة سجود أغلب الناس؟ هل يسجدون للأذقان؟ في الواقع من المستحيل أن يخر الإنسان للذقن والناصية في نفس الوقت. إذا لو فسرنا السجود على أنه مجرد فعل جسدي فيجب علينا السجود للأذقان وليس للناصية. أما لو فسرنا الآية بطريقة مجازية فذلك يعني أن السجود ليس مجرد فعل جسدي ولكنه طاعة الله سبحانه وتعالى. إذا في الحالتين ما يعتقده أغلب الناس من أن السجود مجرد فعل جسدي للناصية هو غير صحيح.

 

زيادة في التأكيد قارن بين رد فعل الذين يخرون سجدا و الذين يفعلون عكس ذلك:

 

وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِرًا كَأَن لَّمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ  [لقمان-7]

 

وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لَا يَسْجُدُونَ [الإنشقاق-21]

 

وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِن تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدَى فَلَن يَهْتَدُوا إِذًا أَبَدًا  [الكهف-57]

 

وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُواْ هَـذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُواْ مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَداً وَادْخُلُواْ الْبَابَ سُجَّداً وَقُولُواْ حِطَّةٌ نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ

فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ قَوْلاً غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ رِجْزاً مِّنَ السَّمَاء بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ  [الأعراف-161-162]

 

نرى أن عكس السجود هو التولي باستكبار والإعراض عن آيات الله وتبديل القول الذي قيل لهم . كل هذه الأعمال هي عكس السمع و الطاعة و ليست عكس فعل جسدي سطحي بـوضع الناصية على الأرض. المنافقون ليس عندهم أي مشكلة في فعل أي شيء جسدي سطحي ولكن عندهم مشكلة في طاعة الله.

 

وبما إن السجود ليس مجرد فعل جسدي سطحي وإنما هو أساسا الطاعة إذا بالتالي المسجد ليس مجرد مبنى ولكن هو أساسا مؤسسة للطاعة.

 

هذه الآية الكريمة توضح بما لا يدع أي مجال للشك أن المسجد ليس مجرد بنيان مادي، وإلا لما أصبح هناك معنى للنزاع:

 

وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لَا رَيْبَ فِيهَا إِذْ يَتَنَازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ فَقَالُوا ابْنُوا عَلَيْهِم بُنْيَانًا رَّبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِم مَّسْجِدًا  [الكهف-21]

 

و على الرغم من كل الفساد الذي دخل علينا فإن المعنى الأصلي لكلمة مسجد مازال شائعاً في لغتنا الدارجة. و لذلك لا يوجد إنسان عاقل حين يسمع من صديقه أن المسجد الأزهر أصدر فتوى يفهم أن مبنى الأزهر أصدر فتوى. لماذا يفهم أغلب الناس كلام صديق عادي بتعقل وعمق من ناحية،  ثم يفهمون كلام الله سبحانه وتعالى بسطحية وسذاجة من ناحية أخرى، بأنه تعالى عندما يتحدث عن مسجد يقصد مجرد مبنى؟ و بـالإضافة إلى الأدلة من القرآن واللغة والعقل والمنطق في التاريخ أيضًا لم يكن المسجد أبدا مجرد مبنى. المسجد كان مركز الحكم، وهو ما نعرفه اليوم بالحكومة.  فالحكومة ليست مبنى ولكنها سلطة أو مؤسسة تطاع. المساجد أو ما نعرفه اليوم بـمؤسساتنا الحكومية يجب ان يكون اساسها التقوى وليس مجرد مبان اساسها خرسانة ومسلح وحيطان وسقف:

 

لاَ تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَّمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُواْ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ  [التوبة-108]

 

كما رأينا مسبقا فإن الشيطان يعتمد في تضليلنا على تحويل الأسماء الفطرية التي علمها لنا الله إلى أسماء علم باطلة لا تعبر عن حقيقة الأشياء. وللأسف لقد نجح في تحويل المسجد الحرام إلى مجرد إسم باطل وبالتالي فقد ذلك المفهوم العام معناه الحقيقي. ولكن بكل سهولة عندما نزيل غشاوة أسماء العلم الباطلة وننظر إلى معنى المسجد الحرام نجد أن معناه بكل بساطة ينقسم إلى شقين. أولا المسجد معناه مؤسسة للطاعة. ثانيا الحرام ليس معناه المقدس ولكن معناه الشيء الذي لا يجب إنتهاكه مثل قتل الأولاد و قتل النفس و أكل مال اليتيم إلى آخره من المحرمات التي لا يجب انتهاكها:

 

قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلاَ تَقْتُلُواْ أَوْلاَدَكُم مِّنْ إمْلاَقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلاَ تَقْرَبُواْ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلاَ تَقْتُلُواْ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ

وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُواْ الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لاَ نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُواْ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللّهِ أَوْفُواْ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ

وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [الأنعام-151-153]

 

إذا حين نضع هذين المصطلحين سويا نجد بكل سهولة أن المسجد الحرام معناه مؤسسة الطاعة التي لا يجب انتهاكها.

 

و لكن كيف نتوجه إلى قبلة مؤسسة الطاعة التي لا يجب إنتهاكها؟

 

سَيَقُولُ السُّفَهَاء مِنَ النَّاسِ مَا وَلاَّهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُواْ عَلَيْهَا قُل لِّلّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَن يَشَاء إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ

 

القرآن ليس كتابا نظريا ولكنه كتاب ينطق بالحق و يطبق عمليا في حياتنا. تعال نعمل تجربة بسيطة ونطبق الآية الكريمة السابقة لكي نعلم علم اليقين من السفهاء ومن الذين هداهم الله إلى صراط مستقيم:

 

إذهب إلى أي جامع و حين يقف الناس في الصف ويواجهون قبلتهم لا تفعل مثلهم وتولى عن قبلتهم و اتجه في أي جهة غير التي عليها الناس. أكيد الناس سوف تندهش وكما تقول الآية الكريمة ستسألك ما معناه: "ما ولاك عن قبلتك التي كنت عليها؟"

 

ماذا سوف يكون جوابك اذا كنت مؤمنا بالله وبالتالي مؤمنا بأنه سبحانه وتعالى ليس فقط في مكان معين سواء كان المدينة المسماة مكة أو القدس أو أي مكان آخر؟ أكيد سوف يكون جوابك إن الله في كل مكان (لِّلّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ) وإن طريق التقرب إلى الله هو الصراط المستقيم وليس طريق مادي إلى مكة أو إلى القدس أو إلى أي مدينة أخرى (يَهْدِي مَن يَشَاء إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيم). وهذا ما تؤكده الآيات التالية:

 

وَلِلّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ اللّهِ إِنَّ اللّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ [البقرة-115]

 

لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَـكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلآئِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّآئِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُواْ وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاء والضَّرَّاء وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَـئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَـئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ  [البقرة-177]

 

كما نرى من آيات الله فإن التوجه الجسدي إلى جهة مادية معينة ليس له أي قيمة. نفس الكلام عن المشرق والمغرب أي الاتجاهات المادية يقوله من يتبع الرسول في هذا الموقف:

 

سَيَقُولُ السُّفَهَاء مِنَ النَّاسِ مَا وَلاَّهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُواْ عَلَيْهَا قُل لِّلّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَن يَشَاء إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ [البقرة-142]

 

حين يرى السفهاء من الناس أن الذين يتبعون الرسول تولوا عن القبلة المادية التي كانوا عليها سوف يسألونهم عن السبب. إجابة من يتبع الرسول تقول بما معناه إن جميع الجهات المادية لله وإن الاتجاه المهم هو الصراط المستقيم. كما رأينا نفس هذا الموقف يقينا سيواجهه أي شخص لو دخل جامعا و توجه في اتجاه غير كل الناس. وهنا صعوبة الامتحان الذي يمكن أن نواجهه:

 

وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلاَّ عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللّهُ وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ  [البقرة-143]

 

القبلة المادية القديمة كبيرة أو مهمة إلا بالنسبة للذين هدي الله. اليهودي مثلا عنده القبلة المادية في اتجاه القدس كبيرة ومهمة. وكذلك عند الوثني القبلة المادية في اتجاه معبده أو صنمه أو الشروق الشتوي كبيرة. وكذلك عند السني والشيعي القبلة المادية في اتجه المكعب الذي في مكة كبيرة. و لذلك ستجد الاتجاه المادي شيء كبير عند الضالين من الناس وتجدهم يحرصون أشد الحرص على التوجه في اتجاه معين. ليس من الصعب أن يلغي الإنسان عقله و يتبع قبلة مادية مثل كل هؤلاء الناس. الامتحان الصعب هو ألا يقلد الإنسان كل هؤلاء الناس و لا يهتم بـالاتجاه المادي و يتولى عنه. هذا هو الامتحان الصعب الذي يبين من هو المؤمن الذي لا يخاف الناس ويخاف الله ويؤمن حقا أن الله في كل مكان ولا يحتاج الشخص إلى جهة مادية لكي يتجه إليه ولكن الذي يقربنا من الله هو أن نكون على الصراط المستقيم.

 

حين يحاول شخص أن يولي وجهه في اتجاه أي مكان مادي تحت خط الأفق وبسبب كروية الأرض فإنه في الواقع يواجه نقطا عشوائية في السماء. و بما أن الأرض تدور حول نفسها (يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِّأُوْلِي الْأَبْصَارِ) فإن ذلك يؤدي إلى تقلب هذه الوجهة المادية. إذا تقلب الاتجاه المادي في السماء هو بالضبط ما يحدث حين يحاول أي شخص أن يولي وجهه المادي في اتجاه أي مبنى تحت الأفق. وهذا التوجه المادي هو ما لم يكن الرسول راض عنه:

 

قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاء فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوِهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوْتُواْ الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ وَمَا اللّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ [البقرة-144]

 

الرسول لم  يكن راض عن القبلة المادية. قبلة المؤمنين هي المسجد الحرام وحين نكون على هذه القبلة نكون على الصراط المستقيم. لذلك يجب ان نكون على هذه القبلة حيثما كنا وليس فقط أثناء الصلاة أو في الجامع. والله سبحانه وتعالى يقول لنا بكل وضوح إن المسجد الحرام ما هو إلا الحق من ربنا.

 

المسجد ليس مبني ولكن هو مؤسسة متكاملة لطاعة الله. ممكن نقول إن المسجد الحرام هو السلطة التنفيذية التي تطبق الحق من ربنا. ولذلك الذين أوتوا الكتاب يعلمون المسجد الحرام وليس الذين أوتوا خريطة أو سجادة صنعت في الصين عليها صورة مكعب و بوصلة. وعلى الرغم من أن الذين أوتوا الكتاب يعلمون أن القبلة هي المسجد الحرام الذي هو الحق من ربهم فإنهم يصرون على قبلتهم المادية.

 

وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوْتُواْ الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَّا تَبِعُواْ قِبْلَتَكَ وَمَا أَنتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُم بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءهُم مِّن بَعْدِ مَا جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذَاً لَّمِنَ الظَّالِمِينَ [البقرة-145]

 

وحتى الذين أوتوا الكتاب حين يتجهون إلى قبلتهم المادية فهم لا يتبعون حقا قبلة بعض. حتي لو وقف اثنان من الزملاء جنبا إلى جنب في الجامع في اتجاه قبلتهم المادية فهم لا يتبعون حقا قبلة بعض. ذلك لأنه إذا كان هناك فرق 0.01 درجة في اتجاههما فإن هذا الفرق البسيط عبر المسافات البعيدة سيصبح فرقا من عشرات الكيلومترات وواحد منهم سوف يكون في مواجهة جدة والآخر في اتجاه الطائف. هذا هو الحق الواقع.

 

الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءهُمْ وَإِنَّ فَرِيقاً مِّنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ

الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ [البقرة-146-147]

 

هل أي شخص يعرف أي مبنى في مكة أو غير مكة كما يعرف ابناءه؟ بالطبع لا.

 

وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُواْ الْخَيْرَاتِ أَيْنَ مَا تَكُونُواْ يَأْتِ بِكُمُ اللّهُ جَمِيعًا إِنَّ اللّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [البقرة-148]

 

عندما يتخيل أي شخص أنه يواجه مكعبا في مكة هل هذا استباق للخيرات؟ من جهة أخرى توجهنا للمسجد الحرام الحقيقي الذي هو مؤسسة طاعة الله بتطبيق الحق من ربنا وعدم انتهاك ما حرمه من ظلم وقتل النفس إلى آخره بالتأكيد يكون فيه استباق للخيرات. و لذلك التوجه للقبلة الحقيقية التي هي المسجد الحرام يضعنا على الصراط المستقيم الذي هو دين الإسلام.

 

قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِّلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ   [الأنعام-161]

 

و لذلك نفس صيغة الكلام عن اتباع القبلة نسمعه عن اتباع الملة:

 

وَلَن تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءهُم بَعْدَ الَّذِي جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللّهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ [البقرة-120]

 

وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوْتُواْ الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَّا تَبِعُواْ قِبْلَتَكَ وَمَا أَنتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُم بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءهُم مِّن بَعْدِ مَا جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذَاً لَّمِنَ الظَّالِمِينَ [البقرة-145]

 

ونرى القتال في المسجد الحرام  والقتال في الدين متوازيين:

 

وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُم مِّنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ وَلاَ تُقَاتِلُوهُمْ عِندَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِن قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاء الْكَافِرِينَ [البقرة-191]

 

إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَن تَوَلَّوْهُمْ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ [الصف-9]

 

و نرى نفس التوازي بين  المسجد الحرام و الدين في الآية التالية:

 

يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَن سَبِيلِ اللّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِندَ اللّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ وَلاَ يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىَ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُواْ وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [البقرة-217]

 

المشركون يقاتلون الذين آمنوا و يخرجونهم من المسجد الحرام لكي يردوهم عن دينهم.

 

المسجد الحرام هو مؤسسة لطاعة الله بتطبيق تحريم ما حرم الله وعدم انتهاكه.

 

ماذا عن المسجد الأقصى؟

 

سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ [الإسراء-1]

 

من المعروف تاريخيا أن ما يسمى حاليا بالمسجد الأقصى بني في عهد عمر بن الخطاب بعد نزول هذه الآية الكريمة وبعد وفاة الرسول بسنين. قبل ذلك لم يكن هناك وجود لمبنى في هذا المكان. وكان الرومان يتخذونه مقلبا للزبالة. وفي عهد الأمويين تم  بناء ما يسمى بـالمسجد الأقصى وقبة الصخرة على النحو الذي هم عليه الآن. وبالطبع كل ذلك يؤدي بنا إلى تساؤل بديهي وهو بما أن المسجد الأقصى تم بنأه بعد نزول الآية ووفاة الرسول بسنين إذا كيف تتحدث الآية عن مبنى لم يكن له وجود وقت نزولها؟ طبعا هذا مستحيل. مرة أخرى نجد الإجابة أمام أعيننا مباشرة في القرآن حيث نقرأ نفس الكلام عن أن الرسول رأى آيات ربه في الآية التالية:

 

لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى [النجم-18]

 

هذه الآية الكريمة تأتي في سياق ما رآه الرسول من آيات عند سدرة المنتهى عند جنة المأوى.

 

أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى * وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى * عِندَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى * عِندَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى

إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى * مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى * لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى [النجم-12-18]

 

بما أن المسجد مؤسسة لطاعة الله إذا المسجد الأقصي هو مؤسسة طاعة الله القصوى يعني أقصى طاعة لله أو الطاعة المطلقة لله. ومؤسسة الطاعة المطلقة لله هي عندما يكون المخلوق قريب عند ربه. 

 

إِنَّ الَّذِينَ عِندَ رَبِّكَ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ [الأعراف-206]

 

المسجد الأقصى ليس مبنى من أربع حيطان وسقف و لكنه مؤسسة طاعة الله القصوى. ومؤسسة طاعة الله القصوى ليست في القدس و لكنها عند الجنة حيث رأى الرسول آيات ربه الكبرى.

 

ماذا عن البيت الحرام؟

 

المسجد الحرام هو مؤسسة الطاعة التي لا يجب انتهاكها أما البيت الحرام فهو المكان الذي لا يجب انتهاكه. و هذا المكان هو لا ينتهك لأن الغرض من مكانه هو  أن يكون آمنا  يجتمع فيه الناس دون خوف.

 

وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِّلنَّاسِ وَأَمْناً وَاتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَن طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ [البقرة-125]

 

و الآية التالية تتحدث  بوضوح عن أول بيت .إذا معنى ذلك أن هناك ثانيا وثالثا ورابعا و... بيوتا كثيرة وليس بيتا واحدا فقط في مكة أو غير مكة.

 

إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ [آل عمران-96]

 

و مكان أول بيت في واد غير ذي زرع:

 

رَّبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ الصَّلاَةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ  [إبراهيم-37]

 

كلمة زرع في اللغة العربيه تعني "ما زرعه الناس". إذاً فالوادي لم يكن مزروعا من الناس في هذا الوقت. هذا لا يعني أنه لم يوجد فيه نباتات طبيعية وأنه صحراء جرداء كما يظن البعض. وهذا أيضاً ما تؤكده أيات كثيرة. على سبيل المثال الآيات التالية التي تشير إلى بلد الرسول في سياق نبات التين والزيتون:

 

والتين والزيتون * وطور سينين * وهذا البلد الأمين [التين-1-3]

 

و من المعروف أن التين والزيتون نبات طبيعي في شمال الجزيرة العربية ولا وجود له في المدينة المسماة بـمكة ولا حتى وسط الجزيرة العربية كله.

 

القرآن دائما يتحدث عن قوم الرسول أنهم متمدنون وأن مجتمع الرسول مجتمع حضر متعدد الثقافات يشتغل بزراعة الزيتون والنخل والعنب والتجارة، ويسكن مدينة مهمة ومعروفة وليس مجتمعا بدويا رحالا يسكن الصحراء.

 

هُوَ الَّذِي أَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء لَّكُم مِّنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ

يُنبِتُ لَكُم بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالأَعْنَابَ وَمِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ [النحل-10-11]

 

وَهُوَ الَّذِي أَنشَأَ جَنَّاتٍ مَّعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ كُلُواْ مِن ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلاَ تُسْرِفُواْ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ [الأنعام-141]

 

أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاء صَبًّا * ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا * فَأَنبَتْنَا فِيهَا حَبًّا * وَعِنَبًا وَقَضْبًا

وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا * وَحَدَائِقَ غُلْبًا * وَفَاكِهَةً وَأَبًّا * مَّتَاعًا لَّكُمْ وَلِأَنْعَامِكُم [عبس-25-32]

 

و لا يوجد أي ذكر لمدينة إسمها مكة في الجغرافيا أو التاريخ المدون قبل القرن الثامن الميلادي. وكلمة مكَّة على وزن فعلة مثل نكبة أو أزمة. وعندما نبحث عن معناها في قاموس اللغة العربية الفصحى نجد التالي:

 

مَكَّهُ (القاموس المحيط(

مَكَّهُ: أهْلَكَهُ، ونَقَصَهُ

ومنه: مَكَّةُ: للبَلَدِ الحَرَامِ، أو للحَرَمِ كُلِّه، لأَنَّها تَنْقُصُ الذُّنوبَ أو تُفْنيها، أو تُهْلِكُ من ظَلَمَ فيها.

وتَمَكَّكَ على الغَرِيمِ: ألَحَّ.

 

 

صورة من قاموس المحيط صفحة 954 توضح معنى كلمة مكة

 

مكة بـمعنى الهلاك أو الإلحاح على الغريم في اللغة العربية الفصحى يتفق تماما مع سياق الحرب في الآية الكريمة:

 

وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُم بِبَطْنِ مَكَّةَ مِن بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا [الفتح-24]

 

هنا يفهم من السياق أن ببطن مكة تعني بـقلب الهلاك أو بقلب الإلحاح على الغريم وليس إسم لمدينة لم يسمع أحد بها حتى القرن الثامن الميلادي.

 

كما رأينا فإن الأدلة المادية من القرآن واللغة العربية وغياب أي ذكر لمدينة إسمها مكة من التاريخ المدون تؤكد أن المدينة المسماة مكة هي بدعة حديثة من القرن الثامن الميلادي. وهذا يثير قضايا مهمة. على سبيل المثال لقد كان أسهل بكثير لعبدة الحجارة أن يضيفوا إسم أي مدينة وثنية للقرآن بدلا من ان يضطروا إلى سرقة كلمة من القرآن وتحويلها إلى إسم علم يسموا به مدينتهم ليمنحوها الشرعية المفتقدة. بـالتالي فإن ذلك يؤكد بالأدلة المادية أن الله سبحانه وتعالى يقينا حفظ القرآن.

 

و الله سبحانه وتعالى حدد لنا بكل وضوح مكان البيت الحقيقي:

 

وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَن لَّا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ [الحج-26]

 

الآية تقول بكل وضوح إن مكان البيت هو حيث لا يشرك فيه بالله. إذاً فمكان البيت هو ليس المدينة المسماة بـمكة أو القدس أو أي مكان آخر فيه شرك فاحش ولكن  مكان البيت الحقيقي هو أي مكان لا يوجد فيه شرك من تقديس للحجارة أو الأشخاص الأحياء منهم أو الأموات  إلى آخرضروب  الرجس. والمكعب الذي يسمى حاليا بالكعبة هو إسم باطل لأن الله سبحانه و تعالى يقول لنا بكل وضوح أن الكعبة هي البيت الحرام كله و ليست مكعب حجمه ٨ في ١٠ متر:

 

جَعَلَ اللّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِّلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلاَئِدَ ذَلِكَ لِتَعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَأَنَّ اللّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [المائدة-97]

 

و زيادة في التأكيد يقول الله سبحانه وتعالى أن الهدي يجب أن يبلغ الكعبة:

 

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقْتُلُواْ الصَّيْدَ وَأَنتُمْ حُرُمٌ وَمَن قَتَلَهُ مِنكُم مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاء مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَو عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا لِّيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ عَفَا اللّهُ عَمَّا سَلَف وَمَنْ عَادَ فَيَنتَقِمُ اللّهُ مِنْهُ وَاللّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ [المائدة-95]

 

هل الذبيحة تبلغ المكعب ال- ٨ في ١٠ ؟ لا طبعاً . إذا المنطقي هو أن الكعبة ليست هي المكعب ال- ٨ في ١٠ و- لكن هي البيت الحرام كله مثل ما قال الله حرفيا. ولذلك نجد نفس الكلام يتكرر والله يقول أن محلها البيت يعني الكعبة:

 

لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ [الحج-33]

 

كل هذا أيضاً يؤكده قوله تعالى:

 

فِيهِ آيَاتٌ بَيِّـنَاتٌ مَّقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِناً وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ الله غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ [آل عمران-97]

 

لا يوجد أي آيات داخل المكعب ولا يدخل المكعب غير أصدقاء آل سعود المقربين من زعماء الدول الطغاة من الملوك والرؤساء وأتباعهم. وبالمنطق لا يمكن أن يكون مكعب ١٠ في ٨ بدون نوافذ وله باب عال لا يدخله إلا الباشوات مكانا آمنا. الله سبحانه و تعالى لا يدعونا أبدا لتقديس الحجارة وتقبيلها و التمسح فيها. بما أن الكعبة هي البيت الحرام كله وليس المكعب. إذا المكعب الذي يتمسح فيه الناس ما هو إلا وثن باطل ورجس يجب اجتنابه.

 

ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ عِندَ رَبِّهِ وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الْأَنْعَامُ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ [الحج-30]

 

وبالفطرة لو كنت تسيرفي الشارع الذي تسكن فيه ووجدت مجموعة من الناس عاكفين على مكعب ٨ في ١٠ واضعين في ركنه حجرا اسود في فتحة ويقومون باللف حوله متدافعين يدوسون على بعضهم البعض لكي يتمسحوا ويقبلوا في حجارته بشغف، ماذا سوف تقول عليهم؟ أكيد بالفطرة سوف تقول عليهم مجانين، وسوف يقول كل من لديه ذرة من عقل نفس الشئ. الحجارة التي لا تضر ولا تنفع واحدة والفعل واحد. ولكن الغرور يعمي الناس عن فطرة الله.

 

من الناحية التاريخية نجد أن المكعب هو صنم اللات إلهة الخصوبة عند العرب. و لذلك كان العرب قديما يعطون الشكل المكعب في بعض الأحيان ملامح أنثى كما نرى في الصورة التالية:

 

 

صنم اللات

 

والقرآن يؤكد أن العرب كانوا يعبدون آلهة مؤنثة:

 

أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى * وَمَنَوةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى [النجم-19-20]

 

العرب كانوا يتخذون المكعب رمزا للات و تجسيدا لها. و يصف كتاب الأصنام لابن الكلبي المكعب بأنه صنم اللات و يقول كانت صخرة مربعة. و بـالإضافة إلى المكعب الذي في مكة يوجد مكعبات أخرى في الجزيرة العربية و كلها ترمز للألهة الوثنية عند العرب. والعرب يسمون تلك الحجارة المكعبة "صخور الجن".

 

  

 

صخور الجن

 

والقرآن يؤكد أن المشركين يعبدون الجن:

 

وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاء إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ

قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنتَ وَلِيُّنَا مِن دُونِهِم بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُم بِهِم مُّؤْمِنُونَ [سبأ-40-41]

 

من الملاحظ أن الحجر الأسود بالتحديد يواجه الشروق الشتوي بكل دقة. والشروق الشتوي هو موقع شروق الشمس في أقصر يوم في العام حين تولد الشمس من جديد وترمز ولادتها إلى ولادة الهة الخصوبة عند الوثنيين. وكان العرب الوثنيون يحتفلون بولادة اللات في السبوع الذي هو عادة قديمة وثنية ترجع إلى قبل العهد الإسلامي. في السبوع يتم الدوران بالمولود وهو في اللفة سبع مرات احتفالاً بولادته. كذلك كان يقوم الوثنيون بـالدوران حول مكعب اللات سبع مرات بينما الوثني يرتدي "لفة" غير مخاطة مثل المولود.

 

كل هذه الطقوس والرموز خارجة عن القرآن وليس لها أي صلة بالحج المذكور بكل وضوح في القرآن الكريم وهي في الحقيقة وثنية. وباختصار شديد كلها متصلة باحتفال ولادة وثني:

 

١- الدوران ٧ مرات هو احد الطقوس الوثنية المعروفة من قديم الزمان للاحتفال بالميلاد حتى يومنا هذا في السبوع.

 

٢- الهرولة رمزاً للبحث عن ماء لمولود.

 

٣- اللات كانت إلهة خصوبة ولذلك هي مرتبطة بالشمس رمز الخصوبة عند الوثنيين. ولهذا نجد أن الحجر الأسود موجه بالضبط في اتجاه شروق الشمس الشتوي أي يوم ولادة الشمس من جديد.

 

٤- أنظر إلى صورة الحجر الأسود وسوف ترى أنه يبرز من فتحة طولية ترمز للعضو التناسلي المؤنث لحظة بروز رأس المولود المتمثلة في الحجر الأسود. قارن ذلك الشكل التشريحى المميز برسم علمي توضيحي من كتب طب النساء يبيبن لحظة بروز رأس المولود:

 

 

صورة توضح الشكل التشريحي المميز للحجر الأسود و الفتحة التي يبرز منها مقارنة برسم علمي من كتب طب النساء يبين لحظة بروز رأس المولود عند الولادة و هي المعروفة طبيا بإسم Crowning

 

٥- من المعروف عند العرب أن "تقبيل الرأس" هو رمز لطلب السماح والمغفرة . فالناس تقبل رأس الوثن المولود كما جرت العادة عند العرب لكي يغفر لهم ذنوبهم و يرجعوا كيوم ولدتهم أمهاتهم.

 

٦- الشخص الذي عاد كيوم ولدته أمه يرتدي "لفة" غير مخيطة ويلف ٧ مرات احتفالا بالولادة مثل ما يفعل المولود في السبوع.

 

٧- بينما كان العرب الوثنيون يقدسون الحجارة التي ترمز للات إلهة الخصوبة المؤنثة نجدهم يرجمون العمود المدبب رمز الذكورة.

 

٨- عند المعابد الوثنية نجد آثار قدمين توضع بـجانب معابد إلهة الخصوبة. وآثار القدمين هذه ترمز إلى خروج إلهة الخصوبة من المعبد في الربيع ولذلك تزين بالورود. ولو دققنا النظر عن قرب في صورة النقوش التي تزين الصنم المسمى باطلا مقام إبراهيم سنرى أنها أيضا مزينة برسم للورود.

 

  

 

صنم أثار القدمين بجوار معبد بودجايا الهندوسي مقارنة بالصنم المسمى باطلا مقام إبراهيم

 

أرجو أن يلاحظ القاريء أن كل هذه الطقوس والرموز ليست في القرآن العظيم من قريب أو بعيد. مثلاً الله سبحانه و تعالى لا يقول أبداً إن من يحج يغفر ذنبه كله ويرجع كيوم ولدته أمه. أي شخص عنده ذرة من الفطرة والتقوى باقية يجب أن ينزعج من منظر هذا الحجر الأسود الوثن النجس الذي يتمسح فيه الناس و يقبلونه وبالتأكيد سوف يتذكر الآيات التالية من سورة الحج:

 

ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ عِندَ رَبِّهِ وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الْأَنْعَامُ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ

حُنَفَاء لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاء فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ [الحج-30-31]

 

الغريب أن من يقدسون الحجر الأسود هم أجهل الناس به. أولا تسمية الحجر الأسود غير دقيقة لأنه في الواقع مجموعة حجارة صغيرة سوداء ملزوق بعضها ببعض بطمي كما نرى بأعيننا في هذه الصورة المقربة:

 

   

 

الحجارة السوداء الصغيرة الملزوقة بـبعضها لخداع الناس بـما يسمى بالحجر الأسود

 

ثانيا هذه الحجارة السوداء الصغيرة نوعها معروف واسمها العلمي Tektites ويمكن لأي شخص أن يشتريها من على النت بشوية دولارات و يقعد يبوس و يتمسح فيها على مزاجه.

 

و للأسف فإن الشيطان استطاع أن يستفز كثيرا من الناس. ولقد اتبع كثير من  الرجال والنساء خطوات الشيطان، فعندما يتقدم بهم العمر يفعلون تلك الطقوس الوثنية ويقدسون الرجس من الأوثان بـالتمسح بها وتقبيلها ظنا منهم أنهم بذلك يرجعون بلا ذنوب كيوم ولدتهم أمهاتهم. بينما هم في الحقيقة كانوا يرتكبون الشرك الفاحش والذنب الوحيد الذي لا يغتفر ويجعلون من أنفسهم وقود جهنم هم والحجارة التي يقدسونها. يا حسرة على الذين ضاعوا من أجدادنا و أحبابنا ويكفي ما فرطنا في جنب الله. لقد آن الأوان لكي نضع حد لهذا الشرك الفاحش ونقي أنفسنا واهلينا وأولادنا نار جهنم.

 

وذلك يقودنا إلى السؤال التالي. إذا كانت طقوس ما يسمى باطلا بالحج هي طقوس وثنية وليس لها علاقة بالقرآن إذا ما هو الحج الحقيقي من القرآن؟


 

الحج من القرآن

 

جَعَلَ اللّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِّلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلاَئِدَ ذَلِكَ لِتَعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَأَنَّ اللّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [المائدة-97]

 

كما رأينا فإن الله سبحانه و تعالى يقول لنا بكل وضوح أن الكعبة هي البيت الحرام كله و ليست مكعب حجمه ٨ في ١٠ متر. ومثل أي صنم نرى بأعيننا الناس يتمسحون في المكعب ويقبلونه ويدوسون فوق بعضهم البعض لكي يلامسونه. وبالتالي المكعب الذي يسمى باطلا بالكعبة هو في الواقع رجس من الأوثان و بالتأكيد هذا ليس الحج الحقيقي:

 

ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ عِندَ رَبِّهِ وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الْأَنْعَامُ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ

حُنَفَاء لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاء فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ [الحج-30-31]

 

أيضا كلنا سمعنا الله سبحانه و تعالى يقول بكل وضوح ان الحج أشهر معلومات (جمع) وليس شهر واحد:

 

الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللّهُ وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ [البقرة-197]

 

كما رأينا في موضوع الصلاة  فإنه لكي نفهم أي شيء يجب أن نفهم أولاً الهدف منه. عندما نعرف الهدف فسوف يمكن أن نقيس بوضوح إن كانت الإجابات على أسئلة "كيف" و"متى" و"أين" صحيحة أم خاطئة. الإجابة التي تتفق مع الهدف وتساعد على الوصول إليه تكون صحيحة أما خلاف ذلك فلا فائدة  منه إلا تضليل الناس و إبعادهم عن الهدف. الهدف الرئيسي من الحج واضح من الآية ٢٨-الحج:

 

لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ  [الحج-28]

 

الآية الكريمة تستخدم حرف لام التعليل لتوضيح أن الهدف الأساسي الأول هو: المنفعة للناس.

 

الهدف الأساسي الثاني هو: ذكر اسم الله على الأنعام و الأكل منها و إطعام البائس الفقير.

 

إذا بحثنا قليلاً فسوف نجد أن ٨٠٪ من آيات الحج تتحدث عن البدن أو الأنعام أو الهدي. وهذا بالطبع مرتبط مباشرةً بالهدف الأساسي للحج. ماذا نسمي شيئا ٨٠٪ منه له علاقة بإطعام الناس و خاصة الفقراء منهم؟ هذا ما نسميه مائدة الرحمن أو مأدبة الرحمن أو العيد. والحج لم يتم اختراعه في عهد الرسول ولكنه كان معروفا عند أهل الكتاب منذ أيام النبي إبراهيم. و لذلك إذا بحثنا عن معنى كلمة "حج" عند أهل الكتاب في العهد القديم سنجد أن معناها "عيد" أو "مأدبة الرب" و هو ما يتفق مع الهدف من الحج في القرآن.

 

وإذا بحثنا سوف نجد أن الصفا والمروة أيضاً مرتبطان مباشرةً بالهدف الأساسي وهو إطعام الناس والفقراء.

   

إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ اللّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا [البقرة-158]

 

الآية الكريمة تقول إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ اللّهِ. والآية 36 من سورة الحج تبين لنا معنى شَعَآئِرِ اللّهِ:

 

وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُم مِّن شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ [الحج-36]

 

الواضح أن من شعآئِرِ اللّهِ هي البدن (أي الأنعام) التي سوف نأكل منها ونطعم الأخرين.

 

فبالنسبة للصفا هذا ما تقوله معاجم اللغة العربية الفصحى:

 

هي الناقة الغزيرةُ، وكذلك الشاة.

ويقال: ما كانت الناقةُ والشاةُ صَفِيّاً ولقد صَفَتْ تَصْفُو، وكذلك الإبلُ.

 

أما بالنسبة للمروة:

 

المَرْوة الحجر الأَبيض الهَشُّ يكون فيه النار.

هي هذه القدَّاحات التي يخرج منها النار.

 

إذاً الصَّفَا هي الناقةُ أو الشاةُ (أي البدن أو الأنعام) وَالْمَرْوَةَ هي ما يتم طهيها عليه وكما هو واضح فإن الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ لها علاقة مباشرة بأهداف الحج التي هي ذكر إسم الله على الأنعام والأكل منها وإطعام الأخرين.

 

الآن وقد فهمنا معنى الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ المتصلين مباشرة بأهداف الحج تعال نرى معنى الطواف:

 

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنكُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ مِن قَبْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُم مِّنَ الظَّهِيرَةِ وَمِن بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاء ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَّكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ طَوَّافُونَ عَلَيْكُم بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ  [النور-58]

 

نرى هنا بكل وضوح أن الطواف لا يعني بأي حال من الأحوال الدوران سبع مرات حول أي شيء وإنما يعنى "كثرة التردد" كما أشار الدكتور محمد حسن الحمصي في كتاب مفردات القرآن. ولذلك حين نقرأ في الجريدة ان السيد المحافظ طاف بالحي أو بـالمصنع لا يوجد إنسان يظن ولو للحظة ان هذا معناه انه لف سبع مرات حول الحي أو المصنع أو هرول سبع  مرات بينهم. ولكن هذا معناه ان المحافظ تردد عليه وعاينه وجرب بنفسه ما يحدث فيه.

 

وزيادة في التأكيد نرى معنى التردد على شخص بغرض تقديم ما يتم الطواف به و هو الشراب في الآيات التالية:

 

يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُّخَلَّدُونَ * بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِّن مَّعِينٍ  [الواقعة-17-18]

 

وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمَانٌ لَّهُمْ كَأَنَّهُمْ لُؤْلُؤٌ مَّكْنُونٌ [الطور-24]

 

وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُّخَلَّدُونَ إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَّنثُورًا [الإنسان-19]

 

إذاً نرجع للأية الكريمة:

 

إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ اللّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا [البقرة-158]

 

هذا يعني أن البدن أو الأنعام وما يتم طهيها عليه لا جناح على من حج البيت أو اعتمر أن يكثر من التردد عليها ليأكل منها ويقدمها للأخرين ويطعمهم. وذلك كما رأينا هو أحد هدفي الحج.

 

الله سبحانه وتعالى لا يستخدم أي كلام عفوي غير مترابط. حين يقول الله إن الصفا والمروة من شعائر الله ثم يردد نفس الوصف حرفياً ويقول إن البدن (أي الأنعام) من شعائر الله إذاً هذا ليس مجرد صدفة عشوائية ولكن الله يبين لنا أن هناك علاقة مؤكدة ما بين الصفا والمروة من ناحية والبدن من ناحية أخرى. إذن فإن المعنى الصحيح متفق مع كل الآيات ومتصل بشكل مباشر بالهدف من الحج.

 

ماذا عن المشعر الحرام؟

 

لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُواْ فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ فَإِذَا أَفَضْتُم مِّنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُواْ اللّهَ عِندَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِن كُنتُم مِّن قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّآلِّينَ  [البقرة-198]

 

كما رأينا فإن البدن (أي الأنعام) من شعائر الله و الهدف من الحج هو ذكر الله عليها. إذا المشعر الحرام هو المكان الآمن الذي نذكر فيه إسم الله على شعائر الله ونأكل منها و نطعم المحتاج.

 

الحج أو العيد ليس حكراً على فئة أو ملة معينة من الناس دون الأخرى. و لكن هو وسيلة لدعوة كل الناس:

 

وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ  [الحج-27]

 

وبالطبع وجود ناس من كل مكان في الحج يخلق فرصا كثيرة للمنفعة من ابتغاء فضل الله من خلال تبادل التجارة والتكنولوجيا والتعارف بين الشعوب وبالحضارات:

 

لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُواْ فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ فَإِذَا أَفَضْتُم مِّنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُواْ اللّهَ عِندَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِن كُنتُم مِّن قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّآلِّينَ  [البقرة-198]

 

يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ [الحجرات-13]

 

وهذا ما يؤكده قاموس لسان العرب وهو يقول في معنى عرفات:

 

سمي عَرفةَ لأَن الناس يتعارفون به.

 

 

صورة من قاموس لسان العرب في معنى لفظ "عرفة"

 

إذاً فهذا له علاقة مباشرة بأحد السببين الأساسيين للحج وهو المنفعة للناس.

 

بعد إكمال الهدفين الرئيسيين من الحج نأتي للخطوات التالية من الآية ٢٩ من سورة الحج:

 

ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ   [الحج-29]

 

إذاً فبعد المنفعة و إطعام الناس والفقراء يمكن الوفي بالنذر وأخيراً الطواف بالبيت. وكما رأينا في السابق فالواضح من القرآن أن الطواف بشيء لايعني الدوران ٧ مرات حوله وإنما يعنى تقديم ما يتم الطواف به. و في هذه الحالة ما يتم تقديمه للناس هو البيت أي المكان الذي لا يوجد فيه شرك. والناس يترددون على البيت لأن فيه آيات بينات وهي مقام إبراهيم، أي منزلة إبراهيم وهي أنه كان حنيفاً لا يشرك بالله. وحين نتخذ من الحج وسيلة لكي نقدم للناس ذلك النظام المجتمعي المُسلِم (أي المُفعِل للسلام) الغير مشرك فهذا آية لهم لأنهم سوف يرون آيات الله تطبق فعلياً وسوف يكون هذا المجتمع قدوة ونموذجا جيدا لهم يجتهدون لكي يكونوا مجتمعا مثله.

 

وهذا يأتي بنا إلى السؤال عن "أين"، أو مكان الحج. بالطبع مكان الحج هو مكان البيت. وكما رأينا لاحقا فإن الله سبحانه وتعالى حدد لنا بكل وضوح مكان البيت الحقيقي:

 

وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَن لَّا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ [الحج-26]

 

الآية تقول بكل وضوح إن مكان البيت هو الذي لا يشرك فيه بالله. إذاً فمكان البيت هو أي مكان لا يوجد به شرك من تقديس للحجارة أو الأشخاص الأحياء منهم أو الأموات ، إلى آخره.

 

في ختام هذا الموضوع تعالوا نلخص الحج من خلال الآيات التالية:

 

إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ

فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَّقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ الله غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ [آل عمران-96-97]

 

بإختصار الحج وسيلة لدعوة كل الناس وليس ملة معينة فقط إلى مكان آمن وليس فيه شرك. وهذه الدعوة ليشهدوا منافع لهم ويأكلوا ويطعموا المحتاج. وفي هذا المكان الذي يتخذ الناس فيه النبي إبراهيم اسوة سيرى الناس أيات مقام إبراهيم، أي منزلة إبراهيم وهي أنه كان حنيفاً لا يشرك بالله. وعلى ذلك من يريد أن يأذن في الناس بالحج عليه أن يدعو الناس إلى أي مكان ليس به شرك ليشهدوا منافع لهم من خلال التعارف ويأكلوا ويطعموا المحتاج بدون مقابل. وإبراهيم أسس أول بيت ليس فيه شرك ومعنى ذلك ان هناك بيوت كثيرة بعده. ولذلك الله يقول أن على الناس حج البيت وليس حج أول بيت لإن المكان مرتبط بعدم الشرك وليس بالموقع الجغرافي.

 

السؤال المتبقي هو "متى الحج؟"

 

الله سبحانه و تعالى يقول بكل وضوح ان الحج أشهر معلومات (جمع) وليس شهر واحد:

 

الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللّهُ وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ [البقرة-197]

 

يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُواْ الْبُيُوتَ مِن ظُهُورِهَا وَلَـكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُواْ الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا وَاتَّقُواْ اللّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [البقرة-189]

 

الآية الكريمة تقول بكل وضوح أن الأهلة هي التي نوقت بها للحج. رغم ذلك فإن ما يسمى باطلا بالحج حالياً يبدأ في ٨ من ذي الحجة وليس مع الهلال، وينتهي في ١٣ من ذي الحجة وليس مع الهلال. إذاً التوقيت الحالي منكرً لكلام الله ولا يتبعه بل ويتجاهله تماما.


متي ليلة القدر؟

 

السؤال المتبقي من الباب الماضي كان عن "متى الحج". وربما يكون من المدهش بالنسبة للقاريء أن الإجابة عن هذا السؤال سوف تحتاج إلى الإجابة عن توقيت ليلة القدر وشهر رمضان، فكل التساؤلات سواء عن توقيت الحج أو عن ليلة القدر متصلة ببعضها. وحين نقترب من الإجابة الصحيحة فإن هذا التواصل يبدأ في الوضوح ويتبلور في تناسق مدهش في القرآن كله.

 

بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ * لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ

تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمْرٍ * سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ

 

رغم أن القرآن يشير إلى أهمية ليلة القدر فلا يوجد إجماع على متى تقع ليلة القدر. فهناك تخبط واضح في هذا الموضوع. وهذا التخبط راجع لعدة أسباب منها على سبيل المثال أن الروايات في كتب الأحاديث من العصر العباسي وقت كان التقويم الهجري معروف ومستخدم. أما واقع الأمر فهو أن ليلة القدر في الأصل حدثت قبل ابتداع التقويم الهجري بل وقبل الهجرة نفسها.

 

كل عام جرت العادة على حدوث خلاف يصل في بعض الأحيان إلى الشجار بين البلاد التي تسمي بالإسلامية وحتى في نفس البلد بين الطوائف على توقيت شهر رمضان. وهذا العام كالمعتاد كان ما يسمى بـشهر رمضان متأخرا و متقدما  بيوم بين الناس.

 

تتوقف بداية شهر رمضان في العام الهجري على رؤية الهلال الجديد. هذه الرؤية غاية في الصعوبة حتى بالنسبة  للمتخصصين في علم الفلك وتحت أحسن الظروف المناخية. ولذلك عاش الغالبية العظمى من الناس وماتوا ولم يشهدوا هذا الهلال الجديد طوال حياتهم ولا يرون سوى الهلال بعد أن يكون عمره يوما أو إثنين. من المعروف أن تلك الصعوبة في رؤية الهلال هي السبب الأساسي للخلاف السنوي المعتاد على توقيت شهر رمضان. ما لا يعرفه أغلب الناس هو أن توقيت شهر رمضان الحالي يتوقف على عدة عوامل أخرى بجانب رؤية الهلال الجديد.

 

تحدثنا كتب التراث أن التاريخ الهجري الحالي قد ابتدع في عهد عمر بن الخطاب بعد وفاة الرسول بسنين. وقصة ابتداع التقويم الهجري باختصار هي كالتالي:

 

بعث أبو موسى الأشعري بخطاب إلى عمر بن الخطاب يقول فيه: "يا أمير المؤمنين إنك ترسل لنا كتبا يكون فيها الأمر من أمرك (يعني يقول افعل كذا بعد عشرة أيام أو  بعد خمسة عشرة  يوما)  يقول وليس فيها تاريخ فنحن لا ندري متى كتبتها وهل تأخر فيها الرسول أم تقدم فيشق ذلك علينا".

وفي يوم أيضا اقبل رجل إلى عمر بن الخطاب وكان  قد اختلف مع آخر في سداد دين..فنظر عمر إلى الصحيفة التي بينهما فإذا السداد في شهر شعبان فقال عمر شعبان القادم القريب أم شعبان الماضي الذي مضى أم شعبان الذي بعد سنة ..فاختلف المتكلمان كل واحد يريد أن يجر شعبان إلى السنة التي تخدمه هو وفي مصلحته..فشعر عمر بأهمية أن يجمع المسلمين على تاريخ معين. عندها جمع الصحابة وجعلوا يتحدثون ويبحثون عن حال من الأحوال أو موقف من المواقف أو تاريخ للمسلمين يستحق أن يستند التاريخ عليه..فقال بعضهم يا أمير المؤمنين نؤرخ بتاريخ الروم.....لماذا لا نؤرخ بتاريخهم ..الروم الآن يؤرخون وقد  وصلوا إلى سنة مثلا ثلاث مئة أربع مائه خمس مائه..نؤرخ بتاريخ الروم نصبح نحن والروم سواء..

.قال عمر... لا.. لا نحن نختلف عن الروم نحن مسلمون و نعبد الله وأولئك نصارى وكفار ..لا....أعطوني أمرا آخر

فقال بعضهم

نؤرخ يا أمير المؤمنين بتاريخ الملوك كلما ولي علينا ملك أو أمير نبدأ التاريخ من تاريخ ولايته.

فرفض عمر ذلك...فقال آخر نؤرخ من مولد رسول الله صل الله عليه وسلم ..فإذا بهم لم يتفقوا على تاريخ اليوم المحدد الذي ولد فيه النبي .. فلم يجمعوا عليه..فقالوا نؤرخ بوفاة النبي عليه الصلاة والسلام...فإذا هو تاريخ يعرفونه جميعا لكنه موقف حزين بالنسبة إليهم أن نؤرخ بوفاة النبي عليه الصلاة والسلام..فلم يرض عمر بذلك

فقال علي : من يوم هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وترك أرض الشرك (يعني يوم هاجر) ، فوافقه عمر

ثم قال عمر : بأي شهر نبدأ ؟ فقال قوم : من رجب ، وقال قائل : من رمضان ، فقال عثمان : أرخوا من المحرم فإنه شهر حرام وهو أول السنة ومنصرف الناس من الحج ، ففعله عمر.

 

وهكذا بدأ التاريخ الهجري.

 

وبغض النظر عن مدى صحة تلك الروايات والتي يتضح فيها التخبط والعشوائية، فالواضح أن توقيت ما يسمى حاليا بشهر رمضان يتوقف، إلى جانب رؤية الهلال الجديد، على عدة عوامل:

 

١- العامل الاول هو بداية التأريخ والانتقال من السنة الشمسية إلى السنة القمرية. من المعروف أن السنة القمرية تتأخر شهرا كل ثلاث سنوات عن السنة الشمسية. ولذلك إذا كانت بداية السنة القمرية قد حدثت قبل ثلاث سنوات لأصبح ما نسميه حاليا رمضان يقع في وقت ما نسميه الآن شعبان. ولو حدثت بعد ثلاث سنوات لأصبح رمضان ما نسميه الان شوال وهكذا. لذلك تحديد بداية العمل بهذا التأريخ مثلا بالهجرة أو بآخر سنة في حياة الرسول سوف يغير متى يقع رمضان الآن. ولو افترضنا أن الانتقال قد حدث في سنة غيرسنة بداية التأريخ مثل ما يفترضه البعض وهو أن الانتقال للسنة القمرية حدث قبل وفاة الرسول مباشرة وأن التقويم قد بدأ بالهجرة اذا معنى ذلك أن هؤلاء الجماعة يقولون بطريق غير مباشر إن الرسول كان يصوم طول عمره في وقت خطأ !

 

٢- عامل ثان يتوقف عليه توقيت شهر رمضان الحالي وهو متى تم تبني أسماء الشهور الإثنا عشرة و بأي شهر ابتدأت السنة. مثلا لو كانت السنة أبكر بشهر لأصبح رمضان أبكر بشهر. ولو كان رمضان هو الشهر رقم واحد لكنا صمنا ما نسميه الآن محرم.

 

٣- عامل ثالث يتوقف عليه توقيت شهر رمضان الحالي وهو ترتيب الشهور. مثلا كانت فصول السنة عند العرب في الجاهلية تنقسم إلى ستة أجزاء بالترتيب التالي: شتاء -  ربيع الاول - صيف - قيظ - ربيع الثاني - خريف. ف䃝ن الملاحظ أن ربيع الاول وربيع الثاني لم يكونا متتاليين كما هو الحال الآن. وفي الغالب تمت إعادة ترتيب الشهور بعد فصل التاريخ عن السنة الشمسية حين اصبحت تلك الاسماء بدون معنى ولا ترتبط بفصول السنة. ولذلك فليس من المستغرب أن ترتيب الشهور يتعارض مع القرآن. مثلا من الواضح من القرآن أن الاشهر الحرام متتابعة:

 

فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُواْ لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ [التوبة-5]

 

من الواضح من تعبير "انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ" أن الأشهر الحرم وحدة متتابعة وليست متفرقة كما هوالحال في التقويم الهجري حيث رجب متأخر لحاله.

 

كما رأينا بالإضافة إلى رؤية الهلال الجديد ما نسميه حاليا بشهر رمضان يتوقف توقيته على ثلاث عوامل أخرى عشوائية تماما متوقفة على قرارات بشرية عشوائية مئة بالمئة. إذا من الناحية الواقعية والمنطقية فإن ما يسمى حاليا بشهر رمضان عشوائي ولا يوجد اختلاف بينه وبين صوم أي شهر عشوائي في السنة.

 

المشكلة في تحديد توقيت شهر رمضان بناء على قرارات بشرية عشوائية هي نفس المشكلة التي تواجه اليهود والمسيحيين في تحديد يومهم الأسبوعي المقدس. ما يجهله اغلب اليهود والمسيحيون هو أن الأسبوع لم يكن دائماً سبعة أيام في الماضي، فمثلًا كان الأسبوع في عهد قدماء المصريين عشرة أيام. وكانت وحدة تقسيم الايام تحدد بعدد الايام بين يوم السوق ويوم السوق الذي يليه. ولذلك كان الأسبوع يتراوح في العادة ما بين أربعة أيام وبين عشرين يوما، وهذا يعطي فرصة للزراع والصناع لتجديد مخزون سلعهم.

 

وتقسيم الأسبوع إلى وحدة مكونة من سبعة أيام بدأ باليهود لأنهم يعتقدون أن الله استراح في اليوم السابع، وأيضًا بالرومان الوثنيين الذين كانوا يقدسون خمسة كواكب إلى جانب الشمس والقمر ولذلك سموا الأيام بها. ولم يكن عند العرب في الجاهلية يوم من  أيام الأسبوع إسمه يوم الجمعة. ولذلك متى يقع اليوم المسمى حاليا بالجمعة أو السبت أوالأحد يتوقف على متى تم عشوائيا تبني الأسبوع ذي السبعة أيام وبأي يوم عشوائي بدأ وترتيب ايامه الذي هو أيضًا عشوائي. اذاً فتوقيت أيام الإسبوع هو بدعة عشوائية مائة بالمائة من صنع الإنسان والله سبحانه و تعالى بريء منها.

 

ولا بأس من تبني توقيت بشري عشوائي في أحوال الدنيا ولكن المشكلة هي في الإفتراء على الله بالكذب أنه أمرنا ان نصوم في توقيت عشوائي من صنع البشر أو أن نأخذ أجازة في يوم عشوائي كما يفعل اليهود. مثلا يوم الجمعة ليس يوم محدد في الأسبوع و لكنه أي وقت يكون الناس فيه مجتمعين مثل يوم السوق أو للتجهيز للحرب أو في جنازة. هذا هو معنى يوم الجمعة. أما ما ورد من معتقدات بخصوص يوم محدد من أيام الأسبوع مثلًا أن يوم الجمعة خلق فيه‏ ‏آدم وفيه تقوم الساعة إلى آخره من البدع التي تعج بها الروايات فهي افتراء كاذب على الله وافتراض بأن الله سبحانه وتعالى يخضع لقرارات البشر العشوائية .

 

مشكلة أخرى في أي توقيت عشوائي هي أن الأخطاء التي تحدث في بداية تبنيها تكبر مع الوقت. ولذلك فإن التوقيت الفعال يجب أن يكون منضبطا تلقائياً بغض النظر عن أي قرارات بشرية،  وأن يسمح للذين آمنوا في أي زمان وأي مكان أن يطيعوا الله بشكل صحيح بصرف النظر عن ما فعله أو لم يفعله أسلافهم. كما رأينا هذا مستحيل في التقويم الهجري الحالي الذي يتوقف على عدة قرارات عشوائية مئة بالمئة من صنع البشر. مشكلة أخرى هي أن الناس عموما سواء في الماضي أو الحاضر يستخدمون تقويمات مختلفة. ولذلك فإن أي أمر صالح لكل زمان ومكان يجب أن يكون على أساس ظواهر كونية واضحة وليس على أساس التقويمات العشوائية التي من صنع الإنسان.

 

والآن بعد أن قدمنا المشكلة ، دعونا ننظر معا في القرآن لإيجاد الحل إن شاء الله.

 

شهر رمضان:

 

شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُواْ الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُواْ اللّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ [البقرة-185]

 

مفتاح فهم هذه الآية الكريمة هو فهم معنى تعبير "شهر رمضان". هذا ما يقوله لسان العرب عن المعنى الأصلي لكلمة شهر:

 

شهر (لسان العرب:(

والشَّهْرُ القَمَر، سمي بذلك لشُهرته وظُهوره، وقيل: إِذا ظهر وقارَب الكمال.

 

من الواضح من لسان العرب أن المعنى الأصلي لكلمة "شهر" ليس له علاقة بما يسمى الآن شهرا في التقويم الهجري أو الميلادي ولكن معناه هو أكثر الظواهر الكونية وضوحا في السماء وهو القمر حين يظهر و يكتمل. بالإضافة إلى هذا هناك معان أخرى من لسان العرب كلها تتفق مع هذا المعنى و تؤكده:

 

الشُّهْرَة وُضُوح الأَمر

ورجل شَهِير ومشهور: معروف المكان مذكور

وامرأَة شَهِيرة: وهي العَرِيضة الضخمة

 

كما نري عن طريق دراسة أصل الكلمة نستطيع ان نجزم بأن الشهر هو القمر الكامل الواضح المعروف لكل الناس والعريض الضخم و ليس الهلال الوليد الغير واضح والنحيف الذي لا يراه أبداً الغالبية العظمى من الناس طوال حياتهم.

 

والله سبحانه وتعالى يقول لنا بكل تحديد كيف نشهد القمر الكامل أي الشهر كما هو واضح في الايات التالية:

 

فَلَا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ  [الإنشقاق-16]

 

الشفق يحدث بعد الغروب في جهة غروب الشمس حيث يأخذ الأفق اللون الأحمر.

 

وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ  [الإنشقاق-17]

 

و من الجهة المقابلة من الشفق يأتي ظلام الليل.

 

وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ  [الإنشقاق-18]

 

بعد الغروب ومن هذه الجهة بالضبط في مقابل جهة الغروب يشهد القمر الكامل المتسق أي الشهر.

 

كما أشرنا من قبل ، مفتاح فهم هذه الاية الكريمة هو فهم معنى "شهر رمضان". وللأسف يتخذ الناس كلمة "رمضان" كإسم علم فارغ لا معنى له بشكل تلقائي وبدون أدنى تفكير.  فلفظ "رمضان" مشتق من "رمض" وهذا ما يقوله لسان العرب عن معنى "رمض" ومشتقاتها:

 

والرَّمَضُ حَرُّ الحجارة من شدّة حَرّ الشمس

والرَّمَضُ شدة وَقْع الشمس على الرمل وغيره: والأَرضُ رَمْضاءُ.

والحَصى رَمِضٌ، والرِّيحُ ساكنةٌ، والظِّلُّ مُعْتَدِلُ

ورَمِضَتْ قَدَمُه من الرمْضاءِ أَي احترَقَتْ.

لما نقلوا أَسماء الشهور عن اللغة القديمة سموها بالأَزمنة التي هي فيها فوافَقَ رمضانُ أَيامَ رَمَضِ الحرّ وشدّته فسمّي به.

 

كما نرى فإن مفهوم "رمضان" هو شدة الحر وارتفاع الشمس حين يكون الظل معتدلا. بالإضافة إلى هذا  فإن لفظ "رمضان" يدل أيضًا على احمرار العين حين تلتهب كما نرى من المعاني التالية من لسان العرب:

 

فلم تَكْتَحِلْ حتى كادَتْ عيناها تَرْمَضانِ

تَشَكَّتْ عَيْنَيْها حتى كادتْ تَرْمَضُ

 

من القرآن يمكن أن نتأكد من أن رمضان له علاقة بالوقت الحار من السنة:

 

فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلاَفَ رَسُولِ اللّهِ وَكَرِهُواْ أَن يُجَاهِدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَقَالُواْ لاَ تَنفِرُواْ فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَّوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ

فَلْيَضْحَكُواْ قَلِيلاً وَلْيَبْكُواْ كَثِيرًا جَزَاء بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ

فَإِن رَّجَعَكَ اللّهُ إِلَى طَآئِفَةٍ مِّنْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُل لَّن تَخْرُجُواْ مَعِيَ أَبَدًا وَلَن تُقَاتِلُواْ مَعِيَ عَدُوًّا إِنَّكُمْ رَضِيتُم بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَاقْعُدُواْ مَعَ الْخَالِفِينَ

وَلاَ تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَدًا وَلاَ تَقُمْ عَلَىَ قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُواْ بِاللّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُواْ وَهُمْ فَاسِقُونَ

وَلاَ تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَأَوْلاَدُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللّهُ أَن يُعَذِّبَهُم بِهَا فِي الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ

وَإِذَآ أُنزِلَتْ سُورَةٌ أَنْ آمِنُواْ بِاللّهِ وَجَاهِدُواْ مَعَ رَسُولِهِ اسْتَأْذَنَكَ أُوْلُواْ الطَّوْلِ مِنْهُمْ وَقَالُواْ ذَرْنَا نَكُن مَّعَ الْقَاعِدِينَ  [التوبة-81-86]

 

من الايات البينات نرى بوضوح أن وقت إنزال سورة من القرآن كان وقت حر. و كما نعلم فإن شهر رمضان أنزل فيه القرآن. وهنا يجب توضيح الفرق بين الإنزال والتنزيل. فالقرآن أنزل في شهر رمضان بينما التنزيل كان مستمرا على قلب الرسول.  الايات من التوبة تتحدث عن الإنزال مثل ما تتحدث سورة البقرة 185 عن الإنزال في سياق شهر رمضان.

 

السؤال التالي هو متى يبدأ الحر؟ علمياً ومن المعروف يبدأ الحر بعد الانقلاب الصيفي. وهذا هو الوقت الذي تكون الشمس فيه أكثر ارتفاعاً و الظل يكون أكثر اعتدالاً كما أشار لسان العرب في سياق شرح رمضان:

 

والحَصى رَمِضٌ، والرِّيحُ ساكنةٌ، والظِّلُّ مُعْتَدِلُ

 

من المدهش أن القمر الكامل بعد الانقلاب الصيفي، بالإضافة إلى أنه يعلن بداية الطقس الحار، فإنه يأخذ مسارا أكثر انخفضا في السماء من بقية شهور السنة. هذه الخاصية تعطي شهر رمضان لونا أحمر مميزا أكثر من بقية شهور السنة. بالإضافة إلى هذا فإن العقل البشري مبرمج على رؤية هذا القمر الكامل كأنه أكبر من المعتاد. إذاً هذا الشهر ذو اللون الاحمر المميز الذي يعلن بداية الحر ويبدو أكبر حجما من بقية شهور السنة هو أكثر الظواهر الكونية وضوحا في السماء وبالتالي أسهل رؤية  ويمكن أن يشهده الناس.

 

الآية الكريمة تقول بكل وضوح " فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ " ولا تقول من لم يشهد شيئا فليصمه. بهذا الفهم يمكن الآن لأي شخص أن يشهد بنفسه شهر رمضان بكل دقة وبغض النظر عن أي تقويم مبني على قرارات بشرية. بالإضافة إلى ذلك لن يحدث أبدا أي خلاف على متى يقع الشهر إذ، بعكس الهلال الجديد ، لم يختلف أثنان أبدا على القمر الكامل.

 

و السؤال التالي هو هل السنة شمسية أم قمرية؟

 

هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاء وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُواْ عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللّهُ ذَلِكَ إِلاَّ بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ [يونس-5]

 

من الآية الكريمة يبدو أن الشمس والقمر لهما دور في معرفة السنين. تعالوا نقرأ آية أخرى لتوضيح الأية السابقة:

 

وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُواْ فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُواْ عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلاً  [الإسراء-12]

 

يتوقف الليل والنهار بالطبع على الشمس وليس على القمر. إذا الاية الكريمة تشير بوضوح إلى أن السنة أساسا شمسية. والطريقة الوحيدة التي يمكن بها معرفة السنة من الليل والنهار هي أن تكون السنة الفترة مابين أقصر ليل وأطول نهار وما يليه من أقصر ليل وأطول نهار أو أقصر نهار وأطول ليل وما يليه من أقصر نهار وأطول ليل. هاتان العلامتان هما ما نعرفه بالانقلاب الصيفي والانقلاب الشتوي. كما رأينا لاحقا فإن شهر رمضان يشير إلى الانقلاب الصيفي حين يبدأ الحر. بالتالي فإن السنة في القرآن تبدأ من الانقلاب الصيفي وأول شهر فيها هو شهر رمضان وكما ذكرنا سابقا فهو أكثر الشهور وضوحا وسهولة في الرؤية.

 

ماذا عن الهلال؟

 

هذه الآية من  الآيات التي لا تفسر في كثير من الاحوال بـطريقة صحيحة:

 

يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوْاْ الْبُيُوتَ مِن ظُهُورِهَا وَلَـكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُواْ الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا وَاتَّقُواْ اللّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [البقرة-189]

 

أغلب الناس يظنون خطأ ان الهلال هو القمر الجديد في الدورة القمرية. في الواقع الأهلة جمع هلال وهو القمر سواء في أول الدورة القمرية أو في نهايتها.

 

ومن المستغرب أنه على الرغم من أن الآية تقول بكل وضوح إن الأهلة مواقيت للحج فإن أغلب الناس يضربون بـالآية عرض الحائط ويبدأون ما يسمونه بالحج يوم ٨ من ذي الحجة وليس مع الهلال وينهونه في ١٣ من ذي الحجة وليس مع الهلال. إذاً التوقيت الحالي منكراً لكلام الله ولا يتبعه بل ويتجاهله كاملاً.

 

الآية التالية تتحدث عن الميقات وتوضحه:

 

وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلاَثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً وَقَالَ مُوسَى لأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلاَ تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ [الاعراف-142]

 

من الواضح من الآية أن الميقات هي فترة معينة يجب أن تتم وبالطبع إتمام الميقات يكون في نهايته. نحن أيضًا نسمع عن أن العشرة تكون تامة في الأية التالية:

 

قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَن تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِندِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ [القصص-27]

 

أيضًا الأية التالية تتحدث عن أن العشرة تكون كاملة:

 

وَأَتِمُّواْ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلاَ تَحْلِقُواْ رُؤُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضاً أَوْ بِهِ أَذًى مِّن رَّأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ فَإِذَا أَمِنتُمْ فَمَن تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَن لَّمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَاتَّقُواْ اللّهَ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ [البقرة-196]

 

كما نرى فالحج ثلاثة أيام لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام أما بالنسبة لمن أهله حاضرو المسجد الحرام  فواضح من الاية الكريمة أن الحج يكون عشرة أيام. نحن أيضًا نعلم أن الحج أيام معدودات:

 

وَاذْكُرُواْ اللّهَ فِي أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَن تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى وَاتَّقُواْ اللّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ [البقرة-203]

 

كلمة "معدودات" تدل على القلة بعكس "عديدة" التي تدل على الكثرة. و"تعجل في يومين" تدل على أن الأيام المعدودات تبدأ من ثلاثة. وكما رأينا من الاية السابقة فالحج لمن أهله حاضرو المسجد الحرام يكون عشرة أيام. إذا الأيام المعدودات هي ما بين ثلاثة وعشرة أيام. وبالتالي كمالة الأيام المعدودات تكون عشرة أيام. السؤال الآن هو كيف يتم استخدام الهلال في توقيت العشرة أيام الكاملة للحج؟ 

 

في الواقع فإن الطريقة الوحيدة لاستخدام الهلال في توقيت عشرة أيام الحج هي أن تكون فترة الحج تنتهي بالهلال و تبدأ بالقمر الكامل. فمن المعروف أن القمر الكامل يأخذ في النزول في الحجم حتى يصبح هلالا بعد عشرة أيام. و هذا ما تصفه الآية التالية:

 

وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ [يس-39]

 

هنا الأية تصف بوضوح نزول القمر تدريجيا في الحجم حتى يصبح شكله كالعرجون القديم وهو شكل الهلال. ومنطقيا بداية نزول حجم القمر لا تكون إلا من القمر الكامل أي الشهر. بهذا الفهم الصحيح يمكن الآن أن نرى بوضوح العلاقة بين أول الاية و بين المثل الذي يضربه الله سبحانه وتعالى لنا في الأية الكريمة:

 

يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوْاْ الْبُيُوتَ مِن ظُهُورِهَا وَلَـكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُواْ الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا وَاتَّقُواْ اللّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [البقرة-189]

 

باب البيت الأمامي الذي يجب أن يدخل الناس منه هو واضح بالضبط مثل القمر الكامل. أما الخروج فلا بأس أن يكون من الباب الخلفي الغير واضح مثل الهلال. من هذا المنطلق يمكن أن نرى أن الهلال أيضًا يوقت فترة الصيام:

 

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ

أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ وَأَن تَصُومُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ

شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُواْ الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُواْ اللّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ [البقرة-183-185]

 

كما رأينا سابقا فإن شهر رمضان يحدد بداية الصوم. والصوم يكون لفترة إكمال عدة أيام معدودات أي عشرة أيام أي الفترة التي يأخذها القمر الكامل في النزول في الحجم حتى يصبح هلالا.

 

ماذا عن الأشهر الحرام؟

 

يزعم بعض الناس أن السنة اصبحت قمرية لتجنب النسيء بناء على الآية التالية:

 

إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُواْ يُحِلِّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِّيُوَاطِؤُواْ عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللّهُ فَيُحِلُّواْ مَا حَرَّمَ اللّهُ زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ [التوبة-37]

 

في الواقع لا يوجد اتفاق فقهي على ما هو النسيء و لكن لغويا النسيء يعني التأخير:

 

نسيء (مقاييس اللغة) :

وَالنَّسيء في كتاب الله: التَّأخِير، كانُوا إذا صَدَروا عن مِنىً يقوم رجلٌ من كنانة فيقول: أنا الذي لا يُرَدُّ لي قضاء. فيقولون: أنسِئْنَا شهراً، أي أخر عَنَّا حُرمةَ المحرَّم فاجعَلْها في صَفَر.

 

و التأخير ممكن أن يحدث سواء كانت السنة شمسية أو قمرية. مثلا كما رأينا في التقويم الهجري الحالي رجب تم تأخيره خمسة شهور عن بقية الأشهر الحرم التي من المفروض أن تكون متتابعة. وذلك التأخير العشوائي هو زيادة في الكفر لانتهاك ما حرم الله. وهذه الآية الكريمة تعطي الطريقة المثلى لعد الشهور بنظام صحيح:

 

إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَات وَالأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلاَ تَظْلِمُواْ فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ وَقَاتِلُواْ الْمُشْرِكِينَ كَآفَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَآفَّةً وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ  [التوبة-36]

 

لنفهم المقصود من الآية يجب أولا أن نفهم أن هناك اختلافا ما بين العدة والعدد. فبينما العدد رقم مطلق (اسم) فالعدة تنطوي على فعل العد (مصدر). والله يوضح لنا هذا من الآيات التي تتحدث عن عدة النساء المطلقات.

 

يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاء فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا  [الطلاق-1]

 

من الواضح كما رأينا سابقا فإن العدة تشتمل على فعل العد، ومن هنا وجب اتخاذ الدقة، ولذلك جاء الأمر "وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ". أما بالنسبة للعدد فمنطقيا مسألة الدقة غير واردة. والآيات التالية تقول لنا ما هي عدة المطلقات:

 

لِّلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نِّسَآئِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَآؤُوا فَإِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ

وَإِنْ عَزَمُواْ الطَّلاَقَ فَإِنَّ اللّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ

وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوَءٍ وَلاَ يَحِلُّ لَهُنَّ أَن يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِن كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُواْ إِصْلاَحًا وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكُيمٌ  [البقرة-226-228]

 

قبل الطلاق يجب أن يكون هناك هدنة أو فترة لتهدئة النفوس. وهذه المرحلة الأولى هي تربص أربعة أشهر. بعد ذلك إذا مازالوا مصرين على الطلاق فيتم الطلاق.  وبعد الطلاق تتربص المطلقة بنفسها ثلاثة قروء أي ثلاث أحداث حيض. من الواضح من الآيات أن طريقة عد الأشهر هي نفس طريقة عد القروء و لذلك نفس الفعل "تربص" مستخدم في الحالتين. بمعنى أن الأشهر أحداث مثل القروء وهذا يؤكد أن الشهر هو حدث القمر الكامل و ليس فترة ٢٨ أو ٢٩ أو ٣٠ أو ٣١ يوم.

 

إذا كيف نعد اثني عشر شهرا ؟ بالنسبة لعدة المطلقة العدة تبدأ من وقت الطلاق. كما رأينا سابقا السنة تبدأ من الانقلاب الصيفي. وبدءً من الإنقلاب الصيفي نعد ١٢ شهرا (أي ١٢ قمرا كاملا) بالضبط كل سنة. وفي السنين التي أحيانا يكون فيها ١٣ قمر كامل نتخطى الشهر الثالث عشر ولا نعده و نعد ١٢ فقط كما أمرنا الله. بهذه الطريقة تتسق الدورة القمرية مع الدورة الشمسية تلقائياً بدون أي مجهود وبكل بساطة و بدون الاعتماد على قرارات بشرية عشوائية.

 

 

وبالمقارنة نجد أن بداية العد في التقويم الهجري كانت من وقت تبنيه ولم يقف العد عند ١٢ كما أمر الله ولكنه مستمر حتى الآن حتى أصبح في الآلاف. كل ما يفعله التقويم الهجري هو أنه يعيد استخدام أسماء الشهور كل  ١٢ إسم وهي مجرد أسماء أصبحت بدون معنى على أي حال.

 

و الآن السؤال الذي يطرح نفسه هو: أي الأشهر هي الأشهر الحرم؟

 

من الملاحظ أن سياق سورة التوبة هو عن قتال المشركين الذين أخرجوا المؤمنين وطعنوا في دينهم ليردوهم عنه:

 

وَإِن نَّكَثُواْ أَيْمَانَهُم مِّن بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُواْ فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُواْ أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لاَ أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنتَهُونَ

أَلاَ تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَّكَثُواْ أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّواْ بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُم بَدَؤُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَوْهُ إِن كُنتُم مُّؤُمِنِينَ

قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ [التوبة-12-13]

 

و كما رأينا في بداية سورة التوبة تبرأ الله ورسوله من العهد الذي قطعه المؤمنون مع المشركين والذي منع المؤمنين من القتال وقت الأشهر الحرم. أما قرب نهاية التوبة نأتي إلى المعركة الكبيرة التي سوف تحدث وقت الحر وقت إنزال سورة من القرآن بخصوص إخراج المشركين للمؤمنين والطعن في دينهم ليردوهم عنه. نفس هذا السياق نراه في سورة البقرة الآية 217:

 

يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَن سَبِيلِ اللّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِندَ اللّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ وَلاَ يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىَ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُواْ وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلَـئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأُوْلَـئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ  [البقرة-217]

 

إذاً حين يسأل المؤمنون عن القتال في الشهر الحرام كان هذا بعد انسلاخ الأشهر الحرم الماضية في أول التوبة التي لم يكن هناك قتال فيها. إذاً السؤال كان عن قتال كبير في أول شهر حرام قادم بعد انسلاخ الأشهر الحرم الماضية. وكما رأينا من سورة التوبة آية 81-86  فإن هذا القتال الكبير الذي خاف منه المنافقون حدث في وقت حر وإنزال سورة وهو وقت شهر رمضان. إذاً يمكن الاستنتاج أن شهر رمضان هو أول الأشهر الحرم. إذا الأشهر الحرام هي شهر رمضان والأشهر الثالثة التي تليه. وفي الفترة المحددة بتلك الأشهر الأربعة الحرم يكون الصيد محرما:

 

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقْتُلُواْ الصَّيْدَ وَأَنتُمْ حُرُمٌ وَمَن قَتَلَهُ مِنكُم مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاء مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَو عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا لِّيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ عَفَا اللّهُ عَمَّا سَلَف وَمَنْ عَادَ فَيَنتَقِمُ اللّهُ مِنْهُ وَاللّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ [المائدة-95]

 

في الوقت الحار من السنة تبدأ الحيوانات حديثة الولادة في استكشاف بيئتها. و تلك الحيوانات الصغيرة تكون عديمة الخبرة وضعيفة ولذلك يسهل صيدها. بالإضافة إلى ذلك في الوقت الحار من السنة تكون تلك الحيوانات الصغيرة مجهدة ومن شدة عطشها قد لا تلتفت للصياد حين يكون بانتظارها عند مصدر الماء. ولقد كان العرب يصطادون في وقت الرمضاء أو الحر (وهو كما رأينا مؤقت بشهر رمضان) بطريقة غير إنسانية يصفها لنا لسان العرب تحت كلمة رمض:

 

والتَّرَمُّضُ صَيْدُ الظبي في وقت الهاجرة تتبعه حتى إِذا تَفَسَّخَت قوائمُه من شدة الحر أَخذته.

وترَمَّضْنا الصيْدَ: رَمَيْناه في الرمضاء حتى احترقت قوائمُه فأَخذناه.

 

وهذه الطريقة تسمح للصياد أن ينال الصيد بسهولة بيده بدون حتى استخدام السلاح كما تصف الآية الكريمة التالية:

 

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللّهُ بِشَيْءٍ مِّنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ لِيَعْلَمَ اللّهُ مَن يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ  [المائدة-94]

 

و لذلك فليس من المستغرب أن يتفق توقيت الأشهر الحرم مع ما نعرفه علميا عن أفضل وقت لمنع الصيد للحفاظ على توازن البيئة وحماية الحيوانات والطيور البرية. بطبيعة الحال، فإن تفسير الآيات يشير إلى أن فترة الحر وتحريم الصيد أو الأشهر الحرم ستكون مختلفة بين جنوب وشمال نصف الكرة الأرضية. هذا طبيعي لأن الهدف هو حماية الحيوانات البرية سواء كانت في جنوب نصف الكرة الأرضية أو شماله .

 

من ناحية أخرى فمن المعلوم أن في الوقت الحر من السنة تكون الأنعام متوفرة بكثرة، كما أنه موسم حصاد الخضروات والفاكهة. وهذا يغني عن الصيد ويعطي فرصة أفضل للحاج أن يأكل ويطعم الفقير. وهذا يتفق تماما مع الهدف الرئيسي من الحج كما هو واضح من الآية ٢٨ من سورة الحج:

 

لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ  [الحج-28]

 

لذلك فإن الحج أشهر معلومات لكل الناس في كل الحضارات والأزمنة وهي أشهر الحصاد في الوقت الحر من السنة حين تكون الأنعام والطعام متوفر بكثرة والناس يشكرون الله على ما رزقهم ويطعموا الفقراء:

 

الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللّهُ وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ [البقرة-197]

 

كما وضحنا سابقا فإن أول شهر حرام هو شهر الصوم  وبالتالي تكون الثلاثة أشهر التالية للحج ويمكن فرض الحج في أي من هذه الأشهر. وفترة الحج هي كما رأينا هي الايام العشرة  بين الشهر (أي القمر الكامل) والهلال. وهكذا نرى كيف أن الهلال يوقت الحج.

 

الله سبحانه وتعالى أعطانا علامة شهر رمضان وهي أوضح حدث كوني في السماء ممكن أن يشهده كل الناس. توقيت شهر رمضان مستقل عن أي تقويم بشري سواء روماني أو فارسي أو هجري أو ميلادي، وبالتالي هو مستقل عن أي قرارات بشرية عشوائية. شهر رمضان الذي هو القمر الكامل أحمر اللون يأتي مباشرة بعد الانقلاب الصيفي ويبدو كبير الحجم ومن الممكن لأي شخص شهادته حتى لو كان يعيش في مجتمع بدائي ليس له القدرة على استخدام الكمبيوتر للحساب الفلكي. هذه العلامة تسمح للذين آمنوا في أي زمان أن يطيعوا الله ويصححوا التقويم بغض النظر عن ما فعله أسلافهم أو لم يفعلوه. هذا النظام التقويمي من القرآن سليم ومتين ولا يتأثر بأخطاء السلف ولا يخضع لقراراتهم العشوائية في الماضي أو الحاضر أو المستقبل.

 

بعد إتمام هذا البحث يقع كل شيء تلقائياً في المكان المناسب، ومن الممكن أن يستنتج القاريء المتابع بنفسه متى تقع ليلة القدر:

 

بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ * لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ

تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمْرٍ * سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ

 

وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ [يس-39]

 

شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُواْ الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُواْ اللّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ [البقرة-185]

 

الله أنزل القرآن في ليلة تقدير نزول حجم القمر الكامل بعد الانقلاب الصيفي الذي هو شهر رمضان. لاحظ أيضًا أن ليلة القدر (أي ليلة شهر رمضان) سلام حتى مطلع الفجر:

 

سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ [القدر-5]

 

نسمع أيضًا عن الفجر في الآيات التالية:

 

وَالْفَجْرِ وَلَيَالٍ عَشْرٍ وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ [الفجر-1-3]

 

الفجر هو النقطة المشتركة. ولذلك نحن عندنا ليلة القدر ثم الفجر ثم عشر ليال وتلك الليال ال-١١ (وتر) تحدد أيام الصيام ال-١٠ (شفع). أيضا في الليال العشر ينزل القمر الكامل في الحجم حتى يصبح كالعرجون القديم (الهلال).

 

 

 

الصيام يكون من الفجر إلى الليل:

 

أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَآئِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ عَلِمَ اللّهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتانُونَ أَنفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنكُمْ فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُواْ مَا كَتَبَ اللّهُ لَكُمْ وَكُلُواْ وَاشْرَبُواْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّواْ الصِّيَامَ إِلَى الَّليْلِ وَلاَ تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ فَلاَ تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ [البقرة-187]

 

والليل يبدء من غروب الشمس حيث يولج الله الليل في النهار:

 

أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى وَأَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ [لقمان-29]

 

خلاصة الهدف من صيام شهر رمضان تكمن في "لعلكم تتقون".

 

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ

أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ وَأَن تَصُومُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ

شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُواْ الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُواْ اللّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ [البقرة-183-185]

 

لاحظ أن الصيام كتب علينا أي أننا نعرفه من خلال كتاب الله وليس من خلال الاتباع الأعمى للتقويم الهجري أو الإجماع. وبالطبع فإن ليلة القدر ترتبط معرفتها بالمؤمن الحقيقي وبشائرها تكمن في معرفتها. لذلك لاحظ أيضا التأكيد على الهدى في الآيات وأن معرفة شهر رمضان والصيام وعدته هو من هدى الله. ذلك من الصعب شرحه ولكن أرجو أن يتفكر القاريء كيف يهدي الله الإنسان لفهم أفضل للقرآن يربط نزول القرآن نفسه بـتوقيت دقيق ومحدد من المستحيل معرفته عن طريق الاتباع الأعمى وبدون تدبر آيات الله في القرآن والكون. وحين نهتدي يتضح لنا أن آيات الله كلها مرتبطة ببعضها. هذا هدى الله.


 

اعرف عدوك

 

إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ [فاطر-6]

 

لكي نهزم أي عدو يجب علينا أولا معرفته جيدا.

 

في الأجزاء السابقة من هذا الكتاب رأينا كيف ان بلايين من الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا يقدسون اصنام نجسة مثل المكعب والحجر الأسود ويقومون بتأدية طقوس وثنية تدور رمزيتها حول احتفالات ولادة اللات ظنا منهم أن تلك الحجارة التي لا تضر ولا تنفع ترجعهم بدون ذنوب كيوم ولادتهم بينما هم في الواقع يرتكبون الشرك الذي لا يغتفر ويمهدون لأنفسهم المصير إلى جهنم. والله سبحانه وتعالى يحذرنا بالتحديد من أصنام اللات والعزى و مناة في سورة النجم:

 

أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى * وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى

أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنثَى * تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى

إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاء سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَاؤُكُم مَّا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنفُسُ وَلَقَدْ جَاءهُم مِّن رَّبِّهِمُ الْهُدَى

أَمْ لِلْإِنسَانِ مَا تَمَنَّى * فَلِلَّهِ الْآخِرَةُ وَالْأُولَى

وَكَم مِّن مَّلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِن بَعْدِ أَن يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَن يَشَاء وَيَرْضَى

إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ لَيُسَمُّونَ الْمَلَائِكَةَ تَسْمِيَةَ الْأُنثَى

وَمَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا [النجم 19-28]

 

من الآيات الكريمة نرى أن الذين يقدسون تلك الأصنام المؤنثة يظنون انهـا ملائكة. من الواضح أيضا أنهم يظنون أن تلك الأصنام سوف تشفع لهم. ومعنى الشفاعة هو الوساطة لكي يتم مسح الذنوب ودخول الجنة. وهذا هو بالضبط ما يظنه الناس الذين يتمسحون في أصنام المكعب والحجر الأسود. هم يظنون ويتخيلون أن التمسح في تلك الأوثان سوف يؤدي إلى مسح ذنوبهم ودخولهم الجنة. ولكن الله سبحانه وتعالى يقول للمشركين أنهم يتبعون الظن وما تهوي الأنفس أي أنهم يتبعون الظن والوهم أو الخيال. وحتى الملائكة الحقيقيين لا تغني شفاعتهم شيئا. في الواقع هؤلاء الوثنيين لا يعبدون الملائكة ولكن يعبدون الجن ويؤمنون بهم كما هو واضح من الآية التالية:

 

وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاء إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ

قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنتَ وَلِيُّنَا مِن دُونِهِم بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُم بِهِم مُّؤْمِنُونَ

فَالْيَوْمَ لَا يَمْلِكُ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ نَّفْعًا وَلَا ضَرًّا وَنَقُولُ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّتِي كُنتُم بِهَا تُكَذِّبُونَ [سبأ-40-42]

 

إذا تلك الأصنام ما هي إلا جن. والذين يتبعون الظن وما تهوي الأنفس في الواقع يعبدون الجن. وهذه الأصنام لا تملك نفعا ولا ضرا. والظالمين الذين يتمسحون فيها ويقبلونها ظنا منهم أن ذلك يرجعهم كيوم ولدتهم أمهم هم في الواقع يكذبون بالنار الحقيقية التي لا يمكن النجاة منها عن طريق التمسح بـصنم أو تقبيل حجر. ويوم القيامة سيكونوا هم وما يعبدون من الجن حطب جهنم:

 

وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا [الجن-15]

 

إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنتُمْ لَهَا وَارِدُونَ [الأنبياء-98]

 

وكما رأينا تلك الأصنام لا تملك شيء ولكن الذين يعبدونها يظنون ويتخيلون أنها تملك نفعا أو ضرا. والخيال هو الوهم أو الأهواء. ولذلك هم في الواقع يعبدون أهوائهم. 

 

إِن كَادَ لَيُضِلُّنَا عَنْ آلِهَتِنَا لَوْلَا أَن صَبَرْنَا عَلَيْهَا وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ الْعَذَابَ مَنْ أَضَلُّ سَبِيلًا  *  أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا [الفرقان-42-43]

 

أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ [الجاثية-23]

 

من ذلك نستنتج أن الجن مرتبط بالهوى. والشياطين هي الجن عندما يشيط ويسيطر على الإنسان وبذلك يستهويه.

 

قُلْ أَنَدْعُو مِن دُونِ اللّهِ مَا لاَ يَنفَعُنَا وَلاَ يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللّهُ كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الأَرْضِ حَيْرَانَ لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنَا قُلْ إِنَّ هُدَى اللّهِ هُوَ الْهُدَىَ وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ [الأنعام-71]

 

والإنسان الذي يستهويه الشيطان هو إنسان يتبع هواه أو خياله:

 

إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاء سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَاؤُكُم مَّا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنفُسُ وَلَقَدْ جَاءهُم مِّن رَّبِّهِمُ الْهُدَى [النجم-23]

 

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ ادْخُلُواْ فِي السِّلْمِ كَآفَّةً وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ [البقرة-208]

 

بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْوَاءهُم بِغَيْرِ عِلْمٍ فَمَن يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَا لَهُم مِّن نَّاصِرِينَ [الروم-29]

 

وَإِنَّ كَثِيرًا لَّيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِم بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ [الأنعام-119]

 

والهوى أو الخيال هو جزء من الإنسان أي أنه مقرن به:

 

وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ [الزخرف-36]

 

وَالَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاء النَّاسِ وَلاَ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَن يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا فَسَاء قِرِينًا [النساء-38]

 

وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاء فَزَيَّنُوا لَهُم مَّا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِم مِّنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ [فصلت-25]

 

والجن أو الخيال لا نستطيع أن نراه ولكنه ليس من الغيب لإن يجب علينا أن نؤمن بالغيب:

 

يَا بَنِي آدَمَ لاَ يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُم مِّنَ الْجَنَّةِ يَنزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْءَاتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لاَ تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاء لِلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ [الأعراف-37]

 

ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ

الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ [البقرة-2-3]

 

 بينما من جهة أخرى الإيمان بالجن مذموم وأكثر المشركين يؤمنون بهم:

 

قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنتَ وَلِيُّنَا مِن دُونِهِم بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُم بِهِم مُّؤْمِنُونَ [سبأ-41]

 

وبما ان الجن ليس من الغيب فمن الطبيعي أنه لا يعلم أي شيء من الغيب:

 

فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَن لَّوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ [سبأ-14]

 

الجن أو الهوى أو الخيال المقرن بالإنسان هو مجرد ذبذبات دماغية لا نراها ولكن هو ليس من الغيب. وهو ليس مخلوق حي لأن الله خلق من الماء كل شيء حي بينما الجن مخلوق من النار أو الطاقة:

 

أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاء كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ [الأنبياء-30]

 

وَخَلَقَ الْجَانَّ مِن مَّارِجٍ مِّن نَّارٍ [الرحمن-15]

 

وَالْجَآنَّ خَلَقْنَاهُ مِن قَبْلُ مِن نَّارِ السَّمُومِ [الحجر-27]

 

وأصنام المكعب والحجر الأسود التي جعلها الناس شركاء مع الله هي من خلق الجن:

 

وَجَعَلُواْ لِلّهِ شُرَكَاء الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُواْ لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ [الأنعام-100]

 

والجن هو الطاقة الخلاقة عند الإنسان. ولذلك إذا أصبح شيطانا فإنه يخلق أصناما يتخذها الناس شركاء لله بينما من جهة أخرى إذا سيطر عليه الإنسان كما فعل سليمان فإنه يخلق تماثيل واشياء فنية جميلة:

 

يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاء مِن مَّحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَّاسِيَاتٍ اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ [سبأ-13]

 

وكل التقدم الإنساني من اختراعات وتكنولوجيا وفن وحضارة نتيجة سيطرة الإنسان على الجن وجعله يسجد له بالحق كما كان من المفروض ان يحدث من البداية:

 

وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ فَسَجَدُواْ إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ [البقرة-34]

 

مثلا حين يسيطر الإنسان على الجن الذي يجعله يتخيل أنه يطير ويخضعه بالحق لقوانين الله الطبيعية فإنه يخترع طائرات وصواريخ تنقله بسرعة من مكان إلى آخر:

 

قَالَ عِفْريتٌ مِّنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ [النمل-39]

 

ولذلك سجود الجن للإنسان كما أمر الله يساعد الإنسان في مهمته التي هي خلافة أو قيادة الأرض:

 

وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ [البقرة-30]

 

ولذلك حين يسيطر الإنسان على خياله أو بمعنى آخر يسجد الجن للإنسان فإن ذلك يؤدي إلى أن الجن والإنس كلاهم يمكن أن يعملوا للمهمة التي خلقهم الله من أجلها:

 

وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [الذاريات-56]

 

بينما إذا سيطر الجن أو الخيال على الإنسان فإنه يستهويه ويجعله يشرك بـالله أصناما لا تنفع ولا تضر.

 

قُلْ أَنَدْعُو مِن دُونِ اللّهِ مَا لاَ يَنفَعُنَا وَلاَ يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللّهُ كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الأَرْضِ حَيْرَانَ لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنَا قُلْ إِنَّ هُدَى اللّهِ هُوَ الْهُدَىَ وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ [الأنعام-71]

 

ولغويا كلمة مجنون مشتقة من جن. وصفة مجنون تدل على الإنسان الذي سيطر عليه خياله حتى انفصل عن الواقع وأصبح يعيش في عالم من صنع خياله.

 

وبالواقع العملي نحن جميعا نعلم علم اليقين ان خيالنا هو الذي يزين لنا فعل المعاصي. مثلا قبل ان يسرق السارق فإنه يتخيل المال والغنى. وقبل ان يعتدي أو يتحرش الفاجر بفتاة فإن خياله يصور له الشهوات الجنسية.

 

قَالَ رَبِّ بِمَآ أَغْوَيْتَنِي لأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَلأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ [الحجر-39]

 

وكل الباطل والكذب يأتي من خيال الإنسان. والذين يتبعون زخرف القول الباطل يهجرون الحق من ربهم:

 

وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نِبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاء رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ [الأنعام-112]

 

وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا

وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِّنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا [الفرقان-30-31]

 

والشيطان هدفه من ذلك هو أن يبعدنا عن الصراط المستقيم:

 

قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ * ثُمَّ لآتِيَنَّهُم مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَن شَمَآئِلِهِمْ وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ  [الأعراف-16-17]

 

كما هو واضح فإن استراتيجية الشيطان أو الخيال الذي يسيطر على الإنسان تتجه نحو تحقيق هدف واحد هو تحويلنا عن الصراط المستقيم، صراط الذين أنعم الله عليهم. والسؤال الآن هو كيف نهزم الشيطان.

 

يجب علينا أن نتعرف على استراتيجيات الشيطان حتى يمكننا أن نهزمها بطريقة فعالة. وقد أعطانا الله في القرآن الوسائل اللازمة  لهزيمة الشيطان. وقد استمر الشيطان منذ بداية هذا الصراع في تنفيذ نفس الاستراتيجية لتحقيق أهدافه. وقد أعطى لنا الله في القرآن مثالا على ذلك من خلال ما حدث لآدم وزوجه، من أجل أن يحذرنا من استراتيجية الشيطان. فقد أمر الله آدم وزوجه ألا يقربا الشجرة المحرمة.  وكان هذا لمصلحتهما حتى لا يكونا من الظالمين:

 

وقلنا يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة وكلا منها رغدا حيث شئتما ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين * فأزلهما الشيطان عنها فأخرجهما مما كانا فيه وقلنا اهبطوا بعضكم لبعض عدو ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين [البقرة-35-36]

 

ويا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة فكلا من حيث شئتما ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين [الأعراف-19]

 

وسوس لهما أو بمعنى آخر خيل لهما الشيطان إن تذوق هذه الشجرة هو لمصلحتهما من أجل أن يكونا من الملائكة أو الخالدين:

 

فوسوس لهما الشيطان ليبدي لهما ما وورى عنهما من سوءاتهما وقال ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين [الأعراف-20]

 

لاحظ أن الشيطان أو الخيال لم يطلب منهما بطريقة مباشرة أن يعصيا الله، ولكنه اختلق أكذوبة جميلة مزخرفة. هل يكره أي إنسان أن يكون ملكا؟ طبعا لا. تناول ثمار الشجرة هو نتيجة إتباع أكاذيب الشيطان التي هي من صنع الخيال. ويبدو، كما سنرى، أن عدونا ليس على قدر كاف من الذكاء، أو الابتكار، حيث أنه لم يغير هذه الاستراتيجية عبر كل الأزمنة. هذه الاستراتيجية تشتمل على ثلاث خطوات: أولا، اختلاق الأكاذيب، ثم نشرها، ثم تقنينها. ومن حسن حظ الذين يريدون تحاشي الانهزام أمام تلك الأكاذيب أن هذه الاستراتيجية،  وكل الخطوات اللازمة لإبطال مفعولها، موضحة في القرآن.

 

الخطوة الأولى : (شياطين الإنس والجن)

 

وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا ولو شاء ربك ما فعلوه فذرهم وما يفترون * ولتصغي إليه أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة وليرضوه وليقترفوا ما هم مقترفون [الأنعام-112-113]

 

هل أنبئكم على من تنزل الشياطين * تنزل على كل أفاك أثيم * يلقون السمع وأكثرهم كاذبون [الشعراء-221-223]

 

أعداء النبي هم جنود الشيطان. فهم يكذبون عمدا ، وهم يدركون أنهم يكذبون على الله.

 

وكما نرى فإن شياطين الإنس والجن هم الذين يبدأون خطوة الهجوم الأولى في تخيل الأكاذيب أثناء وبعد زمن الرسول. وأكثر هؤلاء خطرا هم الذين يدعون أنهم من المقربين للرسول. فمن المؤكد أن الأنبياء لم يكونوا يعلمون من هم بعض أعدائهم المعاصرين لهم:

 

وممن حولكم من الأعراب منافقون ومن أهل المدينة مردوا على النفاق لا تعلمهم نحن نعلمهم سنعذبهم  مرتين ثم يردون إلى عذاب عظيم [التوبة-101]

 

إذا كان هؤلاء المنافقون قد تمكنوا من أن يخفوا نواياهم الحقيقية عن النبي، ففي الغالب أنهم قد تمكنوا بدرجة أكبر من خداع الناس العاديين. وبالتالي فقد يكونوا قد اكتسبوا، بالنسبة إلى  الأجيال التي جاءت فيما بعد، صورة القديسين الصالحين.

 

وتتراوح تلك الأكاذيب بين القصص الخيالية التي تحث على الوحشية أو على الشرك بالله وتقبيل الأوثان النجسة والتمسح فيها وبين القصص السخيفة التي تلحق الضرر بصحتك مثل غمس الذباب في الطعام أو شرب بول الجمال وبين القصص التي فيها هوس جنسي وشذوذ مثل زواج الأطفال ورضاعة الكبير وأخذ النساء كسباية إلى آخره من السفاهات.

 

وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا ولو شاء ربك ما فعلوه فذرهم وما يفترون [الأنعام-112]

 

وتتخذ تلك الأكاذيب صورة أقوال مغرية، لها وقع جذاب. ومن أفضل أساليب إكساب شيء ما إغراء وجاذبية هو نسبه كذبا إلى الرسل لتحريف رسالاتهم. ولكن من سوء حظ أعداء الرسول أن الله حفظ القرآن من أي أكاذيب أو تحريف كما تنص الآيات التالية :

 

إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون [الحجر-9]

 

لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد [فصلت-42]

 

وكما رأينا بالواقع اليقين لم يستطع أتباع الشياطين حتى أن يضيفوا إسم مدينتهم الوثنية إلى القرآن ولذلك اضطروا إلى سرقة صفة "مكة" التي تعني "الهلاك" لتسميتها. ونتيجة لحفظ القرآن اضطر أتباع الشياطين أن يجدوا وسيلة أخرى غير القرآن لنشر أكاذيبهم.

 

الخطوة الثانية: الذين ينشرون الأكاذيب

 

ولتصغي إليه أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة وليرضوه وليقترفوا ما هم مقترفون [الأنعام-113]

 

والمجموعة التالية المستهدفة من استراتيجيات الشيطان هي هؤلاء الذين سوف يتقبلون أكاذيب المجموعة الأولى.

 

يا أيها الناس كلوا مما في الأرض حلالا طيبا ولا تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدو مبين * إنما يأمركم بالسوء والفحشاء وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون [البقرة-168-169]

 

حيث أن الشيطان يعلم أن الناس البسطاء العاديين لن يكذبوا على الله  عمدا ، فهو لا يوجه تعليمات مباشرة إليهم بالكذب على الله ، ولكنه يأمرهم ، بدلا من ذلك ، أن يقولوا على الله ما لا يعلمون. فالشخص الذي يردد ما قيل له دون أن يغيره قد لا يعتبر لأول وهلة كاذبا. ولكن الشخص الذي يردد شيئا دون أن يعرف مصدره، أو يتأكد من مصداقيته بنفسه (كما أمرنا الله) وليس عن طريق القيل والقال، سوف يصبح ناشرا للأكاذيب دون أن يدرك ذلك.

 

ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولا [الإسراء-36]

 

فالمصدر الوحيد للدين هو القرآن الذي أذن به الله:

 

أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله ولولا كلمة الفصل لقضي بينهم وإن الظالمين لهم عذاب أليم [الشورى-21]

 

والله يقول إن عدم العلم ليس عذرا. والأنبياء أنفسهم يخضعون لنفس هذا القانون :

 

ولو تقول علينا بعض الأقاويل * لأخذنا منه باليمين * ثم لقطعنا منه الوتين * فما منكم من أحد عنه حاجزين * وإنه لتذكرة للمتقين [الحاقة-44-48]

 

لاحظ أن الله لا يقول "لو كذب محمد"، بل يقول "لو تقول علينا". وهذا يعني أن الرسول نفسه لا يستطيع أن يقول أي شيء من عنده على الله، سواء كان يعلم أنه كذب أم لا.

 

وتلك الأكاذيب تعيش أطول من مختلقيها، حيث أن كل جيل يتبع الجيل السابق له دون أي فهم، ثم يزرع بدوره تلك الأكاذيب في الجيل الذي يليه، ويقننها:

 

وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله  قالوا بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا أولو كان آباؤهم لا يعقلون شيئا ولا يهتدون [البقرة-170]

 

وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ إِلَى مَا أَنزَلَ اللّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُواْ حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلاَ يَهْتَدُونَ [المائِدة-104]

 

وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها آباءنا والله أمرنا بها قل إن الله لا يأمر بالفحشاء أتقولون على الله ما لا تعلمون  [الأعراف-28]

 

وكثير من تلك الأكاذيب تقسو على المرأة ، وتحط من قدرها. وهذه الأكاذيب تحقق هدفين من أهداف الشيطان. إلى جانب حرمان الذين يؤمنون بها من طاقات ومواهب نصف مجتمعهم ، فهي تجعل النصف الآخر يقضى سنوات النمو الأولى الحاسمة في حياته، وهو في رعاية أمهات مضطهدات مصابات ببعض عقد النقص. ومن المعروف في علم النفس الاجتماعي أن نتاج مثل هذا النشء سوف يصبح في الغالب بعد أن يكبر متعجرفا سلبيا ضيق الأفق. وهذه الخصال هي من متطلبات تكوين أجيال غير قادرة على تمحيص العادات والعقائد التي توارثتها وتعاني من أمراض النفاق والغرور.

 

الخطوة الثالثة : تقنين الأكاذيب

 

الخطوة الثالثة والأخيرة في مخطط الشيطان هي تقنين تلك الأكاذيب. وتلك الخطوة قد تستغرق في بعض الأحيان سنوات عديدة ، قد تمتد إلى مئات السنين من بعد عهد الرسول.

 

والآن وبعد مرور تلك السنوات العديدة سوف يشعر الشيطان بالإحباط لو تم نسيان تلك الأكاذيب بعد 200  سنة أو بعد عدة أجيال. فهو سوف يكون مضطرا في هذه الحالة إلى البحث عن أغبياء آخرين لخلق ونشر تلك الأكاذيب مرة أخرى. ولكن بعد مرور السنين من وفاة الرسول أصبح عديد من الناس الآن يتكسبون من وراء نشر هذه الأكاذيب:

 

فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله ليشتروا به ثمنا قليلا فويل لهم مما كتبت أيديهم وويل لهم مما يكسبون [البقرة-79]

 

وهناك للأسف الكثير من المشترين:

 

ومن الناس من يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله بغير علم ويتخذها هزوا أولئك لهم عذاب مهين [لقمان-6]

 

وأغلب الناس ينظرون إلى المحترفين الذين يتكسبون من الدين بإمتنان لأنهم يزيحون عن عاتقهم مهمة تمحيص آلاف الأحاديث الكاذبة والتي تناقض العقل والمنطق. المحترفون يقولون للناس ببساطة ما يجب عليهم أن يفعلوه ، والناس تطيع بمنتهى السعادة.

 

وقالوا ربنا إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلونا السبيلا [الأحزاب-67]

 

الرجال الذين يتكسبون من وراء هذه الأكاذيب يشغلون مناصب تمكنهم من العمل كآلة غسيل مخ في خدمة الفاسدين من رجال السياسة. وحيث أن رجال الكهنوت هؤلاء يعضدون الحكام السياسيين، فإن الصراع السياسي غالبا ما يتحول إلى فرق دينية متناحرة. وتحاول كل فرقة أن تجمع كل ما تستطيع من الأكاذيب من أجل سن شريعة لنفسها تمكنها بسهولة من إعطاء نفسها مصداقية، وتبرير عدوانها على الفرق الأخرى. وبعد عملية الجمع هذه بفترة طويلة يقوم بعض المخرفين بـإبتداع علم ساذج للكشف عن ما كانت تخفيه صدور الرجال الذين ماتوا منذ زمن طويل من أجل تبرير المختار من أكاذيب أسلافهم.

 

وهذه الأكاذيب الدينية يتم جمعها وتقنينها تاريخيا بعد ظهور الفرق الدينية. فتصبح كل فرقة فخورة بما لديها، وتعتبر أنها أفضل من الفرق الأخرى.

 

فتقطعوا أمرهم بينهم زبرا كل حزب بما لديهم فرحون [المؤمنون-53]

 

ولا تكونوا من المشركين * من الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا كل حزب بما لديهم فرحون [الروم-31-32]

 

إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللّهِ الإِسْلاَمُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوْتُواْ الْكِتَابَ إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَمَن يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللّهِ فَإِنَّ اللّهِ سَرِيعُ الْحِسَابِ [آل عمران-19]

 

وما تفرقوا إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم ولولا كلمة سبقت من ربك إلى أجل مسمى لقضي بينهم وإن الذين أورثوا الكتاب من بعدهم لفي شك منه مريب [الشورى-14]

 

ويحذرنا الله من الطاغوت وهو عبارة عن الأكاذيب التي يروجها أتباع الشيطان. وهي تنشر الظلم والطغيان. وقد وصف الطاغوت في القرآن بأنه نقيض القرآن؛ والمنافقون الذين يزعمون أنهم مؤمنين بالقرآن يريدون ان يتحاكموا إليه:

 

ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالا بعيدا [النساء-51]

 

ويمكنك أن تتخيل كم الأكاذيب التي ينشرها مروجو الأحاديث المختلقة. فهم وسط حماسهم في اختلاق الأكاذيب يؤلفون آلافا مؤلفة من تلك الأكاذيب. فينشر هؤلاء المروجون بدورهم مئات النسخ من كل أكذوبة من تلك الأكاذيب. ونتيجة لذلك أصبحت تتوفر بعد زمن الرسول ببضع مئات من السنين مئات آلاف من الأكاذيب للاستهلاك العام. والآن ، وبعد تقنين الأكاذيب في الطاغوت، أصبحت تلك الأكاذيب  تملأ مجلدات بكاملها. وفي الواقع أن كم الطاغوت أصبح يزيد عن صفحات القرآن اضعافا مضاعفة:

 

قل لا يستوي الخبيث والطيب ولو أعجبك كثرة الخبيث فاتقوا الله يا أولي الألباب لعلكم تفلحون [المائِدة-100]

 

بينما الله سبحانه وتعالى يبين لنا بكل وضوح ما هو الصراط المستقيم نرى أن الطاغوت يخيل الشيطان من خلاله للناس أن الصراط المستقيم حبل سيرك فوق جهنم يقوم الناس عليه بحركات بهلوانية!

 

طاغوت البخاري (لعنة الله عليه):

"فَيُضْرَبُ الصِّرَاطُ بَيْنَ ظَهْرَانَيْ جَهَنَّمَ فَأَكُونُ أَوَّلَ مَنْ يَجُوزُ مِنْ الرُّسُلِ بِأُمَّتِهِ "

 

فلنتذكر الهدف الأساسي للشيطان:

 

قال فبما أغويتني لأقعدن لهم صراطك المستقيم [الأعراف-16]

 

استراتيجية الشيطان دارت دورتها ونجحت في تحويل الذين يؤمنون بـالطاغوت عن الصراط المستقيم الحقيقي وضحك عليهم لدرجة أنهم نسوا معناه الواضح في القرآن وأصبح بالنسبة لهم مجرد حبل سيرك.

 

قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلاَ تَقْتُلُواْ أَوْلاَدَكُم مِّنْ إمْلاَقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلاَ تَقْرَبُواْ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلاَ تَقْتُلُواْ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ

وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُواْ الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لاَ نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُواْ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللّهِ أَوْفُواْ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ

وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [الأنعام-151-153]

 

وتلك هي المرحلة الأخيرة من استراتيجية الشيطان. وهي المرحلة التي يتم فيها تقنين تلك الأكاذيب. ورجال الكهنوت لهم علاقة وثيقة بتلك المرحلة. فبدون الأكاذيب سوف يتحول رجال الكهنوت إلى عاطلين. تقنين الأكاذيب في كتب الأحاديث والسيرة التي هي في الواقع كتب الطاغوت نقيض القرآن هو الخطوة الاخيرة في استراتيجية الشيطان.

 

أساسيات استراتيجية المقاومة:

 

لقد حصننا الله سبحانه وتعالى بالفطرة السليمة وهي الدين القيم.

 

فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ [الروم-30]

 

وبالفطرة كلنا لو رأينا مجموعة من الناس ناصبين مكعب في وسط ميدان التحرير ويقومون باللف حوله متدافعين ويدوسون على بعضهم البعض لكي يتمسحوا ويقبلوا في حجارته بشغف، ماذا سوف تقول عليهم؟ أكيد بالفطرة سوف تقول عليهم مجانين، وسوف يقول كل من لديه ذرة من الفطرة السليمة نفس الشئ. الحجارة التي لا تضر ولا تنفع واحدة والفعل واحد. ولكن الغرور يعمي الناس عن فطرة الله.

 

فالله يقول لنا أن فهم آياته في القرآن وفي الطبيعة وفي أنفسنا  هو الطريق إلى الوصول إلى تلك الفطرة السليمة.

 

وفي الأرض آيات للموقنين * وفي أنفسكم أفلا تبصرون [الذاريات-20-21]

 

وقد ضرب الله لنا مثلا في إبراهيم. فهو عندما تفحص الطبيعة ، ونظر إلى نفسه ، وطلب الهداية من الله ، تمكن ببساطة من أن يهزم الشيطان.

 

وكذلك نرى إبراهيم ملكوت السماوات والأرض وليكون من الموقنين * فلما جن عليه الليل رأى كوكبا قال هذا ربي فلما أفل قال لا أحب الآفلين * فلما رأى القمر بازغا قال هذا ربي فلما أفل قال لئن لم يهدني ربي لأكونن من القوم الضالين * فلما رأى الشمس بازغة قال هذا ربي هذا أكبر فلما أفلت قال يا قوم إني برئ مما تشركون * إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين [الأنعام-75-79]

 

وهذا يوضح بجلاء أن هذه الإستراتيجية المضادة الأساسية كافية في حد ذاتها لهزيمة الشيطان. فهو لا سلطان له على الذين يعبدون الله وحده.

 

قَالَ رَبِّ بِمَآ أَغْوَيْتَنِي لأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَلأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ * قَالَ هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ * إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلاَّ مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ [الحجر-39-42]

 

إذا خلص نفسك لله وحده لأن الاستراتيجيات التالية لن تصبح فعالة إلا إذا تم تطويرها من خلال الاستراتيجة الأساسية أعلاه.

 

اتبع الحق من ربك:

 

الله سبحانه وتعالى قد وفر للناس الأداة التي تمكنهم من محاربة الشيطان وهي القرآن، الذي هو الحق من ربنا ، القادر على هزيمة أكاذيب الشيطان. فالله يخبرنا مباشرة بعد تحذيرنا من اختلاق الأحاديث في سورة الأنعام عن الكيفية التي نتغلب بها على استراتيجية الشيطان.

 

وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا ولو شاء ربك ما فعلوه فذرهم  ومايفترون * ولتصغي إليه أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة وليرضوه وليقترفوا ما هم مقترفون [الأنعام-112]

 

ثم بعد ذلك مباشرة نسمع عن كيفية التغلب على هذه الأحاديث المزخرفة:

 

أفغير الله أبتغي حكما وهو الذي أنزل إليكم الكتاب مفصلا والذين آتيناهم الكتاب يعلمون أنه منزل من ربك بالحق فلا تكونن من الممترين * وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا لا مبدل لكلماته وهو السميع العليم * وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله إن يتبعون إلا الظن وإن هم إلا يخرصون [الأنعام-113-115]

 

والمنطق الذي يتبعه مروجو الأحاديث ضد اتباع القرآن فقط كما أمرنا الله، هو منطق ضعيف وغير منطقي كما توضح الآيات التالية :

 

وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما وجدنا عليه آباءنا أولو كان الشيطان يدعوهم إلى عذاب السعير [لقمان-21]

 

وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله  قالوا بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا أولو كان آباؤهم لا يعقلون شيئا ولا يهتدون [البقرة-170]

 

تلك آيات الله نتلوها عليك بالحق فبأي حديث بعد الله وآياته يؤمنون [الجاثية-6]

 

إقامة الصلاة:

 

الناس الذين تصفهم الآيات التالية يتصفون بنفس الصفة ، وهي الجهل.

 

وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها آباءنا والله أمرنا بها قل إن الله لا يأمر بالفحشاء أتقولون على الله ما لا تعلمون [الأعراف-28]

 

ومن الناس من يشترى لهو الحديث ليضل عن سبيل الله بغير علم ويتخذها هزوا أولئك لهم عذاب مهين [لقمان-6]

 

بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْوَاءهُم بِغَيْرِ عِلْمٍ فَمَن يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَا لَهُم مِّن نَّاصِرِينَ [الروم-29]

 

وَإِنَّ كَثِيرًا لَّيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِم بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ [الأنعام-119]

 

وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَّرِيدٍ [الحج-3]

 

وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُّنِيرٍ [الحج-8]

 

إبطال استراتيجية الشيطان بطريقة فعالة يتطلب منا أن نكتسب العلم من الله عن دينه الحق ، وذلك من خلال آيات الله المكتوبة ، أي القرآن، و آياته الغير مكتوبة، أي الطبيعة. لاحظ أن عكس الهدى والكتاب المنير هو الشيطان المريد (أي الخيال المتمرد الذي لا يسجد بالحق للإنسان). وفهم القرآن هو جهد شخصي يجب على كل منا القيام به. فيجب علينا ألا نأخذ تفسيرات الآخرين صما عميا. فالله هو الذي يفسر القرآن، وليس الكهنة أو القسس أو الشيوخ أو الوعاظ، الخ...

 

إن علينا جمعه وقرءانه * فإذا قرأناه فاتبع قرءانه * ثم إن علينا بيانه [القيامة-17-19]

 

الله هو الذي يفسر القرآن لكل منا ، ويهديه إلى فهمه بواسطة عقله الذي خلقه الله له.